الثوب من فوق نقوه.. والجبح من تحت خاوي

بقلم: عمر المصادي

يعد الشاعر والمتصوف المغربي “عبد الرحمان المجذوب” من أبرز الشخصيات التي خلدت في الذاكرة الشعبية المغاربية والعربية، وذلك من خلال حكمه وأقواله التي كانت تختصر تجارب الحياة في عبارات قصيرة، ولكن عميقة الدلالة، كما هو الشأن في قوله الشهير:
“الثوب من فوق نقوه .. والجبح من تحت خاوي”
هذه العبارة تختصر رؤية نقدية ثاقبة للمجتمع، حيث يحكم على الأشخاص من خلال مظهرهم الخارجي، دون الغوص في حقيقتهم أو جوهرهم الداخلي.
فـ”نقو الثوب” يشير إلى جمالية اللباس وأناقة الشكل والمظهر، بينما “الجبح الخاوي” يرمز إلى الفراغ الداخلي أو الفقر المعرفي أو الأخلاقي.

ففي هذا القول، ينتقد المجذوب سلوكا شائعا في المجتمعات، وهو الإهتمام بالمظاهر على حساب الجوهر. فكم من شخص يبدو في مظهره غنيا أو محترما، لكنه في الحقيقة يعاني من الجهل أو الفقر الفكري أو ضعف القيم!
وهو ما نلاحظه اليوم في زمن تسوده ثقافة “الواجهة”، حيث تحولت الصورة إلى أداة للحكم على الإنسان، لا فكره ولا علمه.

إن قول المجذوب ليس فقط حكمة شعبية، بل يمكن اعتباره أيضا موقفا فكريا يدعو إلى إعادة النظر في طرق التقييم الإجتماعي، فهو يحثنا على أن لا نخدع بالمظهر، بل أن نعمل عقولنا في تحليل السلوك والقيم، وأن نميز بين من “يتزين للناس” ومن يملك رؤية وفكرا حقيقيا.
هذا ما يتقاطع مع أفكار فلاسفة كبار مثل سقراط الذي قال: “تكلم حتى أراك”، في إشارة إلى أن الكلام والفكر هما معيار الحكم على الإنسان، لا مظهره الخارجي.

ومن زاوية علم النفس والإجتماع، يمكن ربط هذا المثل بمفهوم “الذات الحقيقية” و”الذات المزيفة”، فالأشخاص الذين يسعون إلى إرضاء المجتمع عبر تصنع مظاهر زائفة، يعانون غالبا من صراعات داخلية، ويخافون من رفض الآخرين لهم إن هم أظهروا حقيقتهم، في حين أن التنمية الذاتية الحقيقية تقوم على الإعتراف بالنقائص والسعي لتحسين الذات بالعلم والعمل، لا بالخداع والتظاهر.

إن قول عبد الرحمان المجذوب: “الثوب من فوق نقوه، والجبح من تحت خاوي” ليس مجرد مثل شعبي، بل هو صرخة ضد الزيف الإجتماعي، ودعوة للعودة إلى الصدق، والعمق، والمعنى…
كما يضعنا أمام سؤال جوهري:
هل نحن من الداخل كما نبدو من الخارج؟

لذلك، يجدر بنا أن نزرع في نفوسنا وناشئتنا قيمة الجوهر على المظهر، والعلم على الزينة، والفكر على الإدعاء، حتى نصنع مجتمعا أكثر وعيا، وإنسانا أكثر صدقا مع نفسه ومع غيره.

تعليقات (0)
اضافة تعليق