الجزائر تغادر مجلس الامن كما دخلته…ضجيج بلا أثر

بقلم: هشام بلحسين

بانتهاء عضوية الجزائر غير الدائمة في مجلس الأمن، تسقط آخر أوراق التجميل عن تجربة دبلوماسية رُوّج لها كثيرًا، ولم تُنتج إلا القليل. لقد دخلت الجزائر المجلس بخطاب مرتفع السقف، وخرجت منه بلا أثر يُذكر، تاركة وراءها حصيلة أقرب إلى الاستعراض السياسي منها إلى الفعل الدبلوماسي المؤثر.

منذ اليوم الأول، اختارت الجزائر منطق الصوت العالي بدل منطق التأثير. امتلأت القاعات بخطب نارية حول فلسطين وغزة، وتكاثرت البيانات التي تُدين وتستنكر وتتوعد، لكن النتيجة على الأرض بقيت صفرًا. لا قرار فُرض، ولا آلية حماية أُقرت، ولا تحالف وازن بُني. وحدها اللغة الخشبية تكررت، كأن مجلس الأمن منبر شعارات لا غرفة قرارات تحكمها موازين قوى دقيقة وحسابات معقدة.

والأدهى أن هذا الفشل لم يكن حكرًا على الملف الفلسطيني، بل انسحب بوضوح على ملف الصحراء المغربية، الذي جعلته الجزائر معركة دبلوماسية مركزية خلال ولايتها. هنا، سقط الرهان بالكامل. فالقرار الأممي رقم 2797 جاء ليؤكد، دون لبس، أن مجلس الأمن ماضٍ في نفس الاتجاه الذي تجاهل طويلًا الأطروحة الجزائرية، وكرّس مرة أخرى الحل السياسي الواقعي والمتوافق عليه، تحت رعاية الأمم المتحدة، بعيدًا عن أي محاولة لفرض سردية لم تعد تجد صدى دوليًا.

القرار لم يكن مجرد خيبة أمل عابرة، بل صفعة سياسية واضحة: عضوية مجلس الأمن لا تُستعمل لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا تُكافئ من يرفع صوته أكثر، بل من يفهم قواعد اللعبة ويتقن أدواتها. الجزائر، للأسف، أخطأت العنوان، فظنت أن الخطاب الإيديولوجي قادر على كسر مسارات أممية راسخة، فكانت النتيجة مزيدًا من العزلة داخل المجلس بدل النفوذ.

لقد تصرفت الدبلوماسية الجزائرية وكأن مجلس الأمن ساحة مواجهة إعلامية، لا فضاء تفاوض وبناء توافقات. والنتيجة أن الجزائر خرجت من المجلس كما دخلت: مواقف محفوظة، شعارات مستهلكة، ولا إنجاز واحد يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره اختراقًا حقيقيًا.

إن مغادرة الجزائر لمجلس الأمن تفرض قول الحقيقة : ما حدث لم يكن نجاحًا دبلوماسيًا، بل فرصة ضائعة. فالدول تُقاس بقدرتها على تحويل اللحظات الدولية إلى مكاسب استراتيجية، لا بعدد الخطب ولا بحرارة التصريحات. والتاريخ، في النهاية، لا يدوّن الضجيج… بل يسجل الأثر.

تعليقات (0)
اضافة تعليق