الجزائر: مسرحية مكشوفة

بقلم: هشام بلحسين

ما يحدث في الجزائر هذه الأيام يبدو أقرب إلى عرض سياسي مرتبك منه إلى واقع أمني واضح المعالم. فالمتابع للأحداث يلاحظ بسرعة أن السيناريو يكاد يكون مستنسخا من ذاكرة “العشرية السوداء”: تهديدات غامضة، خطاب أمني متكرر، ورسائل إعلامية تحاول إقناع الداخل بأن البلاد محاصرة بالأخطار، وأن المؤسسة العسكرية تقف وحدها في مواجهتها. غير أن هذا الخطاب يخفي خلفه واقعا أكثر تعقيدا، إذ تشير قراءات عديدة إلى وجود اهتزازات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وتوترات بين مراكز النفوذ، وصراعات أجنحة تحاول إعادة ترتيب مواقعها في معادلة السلطة.
لكن المشكلة أن هذا السيناريو، الذي كان يُسوق قبل عقود بسهولة أكبر، لم يعد يقنع كثيرين اليوم. فالإخراج يبدو مرتبكا، والرسائل متناقضة، بينما يرى بعض المراقبين أن الهدف الحقيقي هو تحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية المتراكمة داخل الجزائر، وإلهاء الرأي العام بخطر دائم يُستحضر كلما اشتدت الأسئلة حول الاقتصاد، والبطالة، والحريات، ومستقبل الحكم في البلاد.
إنها معادلة سياسية معروفة: تضخيم المخاطر الأمنية لتبرير تشديد القبضة الداخلية. فعندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية، يصبح الخطاب الأمني أداة فعالة لإعادة ترتيب أولويات النقاش العام، بحيث يتراجع الحديث عن الإصلاحات والشفافية لصالح خطاب التهديد والخطر الداهم. وهكذا يتحول الأمن، في بعض الحالات، من ضرورة لحماية الدولة والمجتمع إلى وسيلة لإدارة التوترات السياسية وإعادة توجيه اهتمام الرأي العام.
الأكثر إثارة للتساؤل أن محاولة تسويق هذه الرواية لا تتجه فقط إلى الداخل الجزائري، بل تُوجه أيضا إلى الخارج في سياق إقليمي متوتر. ففي ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يبدو أن الخطاب الجزائري يسعى إلى تقديم نفسه للعالم باعتباره جزءا من معركة مكافحة الإرهاب، في محاولة لكسب شرعية سياسية أو تجنب ضغوط دولية محتملة.
غير أن هذا الخطاب يواجه انتقادات بسبب ما يراه بعض المتابعين تناقضا واضحا في المواقف. فمن جهة تؤكد الجزائر تمسكها بمبدأ محاربة الإرهاب، ومن جهة أخرى تختار موقف الحياد تجاه الصواريخ والهجمات التي تقوم بها إيران في المنطقة، والتي طالت دولا عربية في الخليج وأثارت قلقا واسعا بشأن الأمن الإقليمي. كما يلاحظ منتقدون أن جزءا من الإعلام الجزائري، الرسمي وغير الرسمي، يتجه في بعض الأحيان إلى تبني خطاب متعاطف مع الرواية الإيرانية في هذه القضايا، الأمر الذي يزيد من حدة الجدل حول طبيعة الموقف الجزائري في هذا الملف.لكن يبدو أن تكرار السيناريوهات القديمة لم يعد قادرا على إقناع الرأي العام كما كان في السابق. فزمن احتكار الرواية تراجع، والوعي السياسي لدى المجتمعات أصبح أكثر قدرة على قراءة ما يجري خلف الخطاب الرسمي. لذلك فإن تحويل السياسة إلى مسرحية أمنية قد ينجح مؤقتا في تشتيت الانتباه، لكنه لا يقدم حلولا حقيقية للأزمات العميقة التي تواجهها البلاد.
فالسياسة، حين تتحول إلى مسرحية رديئة الإخراج، قد تنجح في جذب الانتباه لبعض الوقت… لكنها نادرا ما تنجح في إقناع الجمهور طويلاً.

تعليقات (0)
اضافة تعليق