الحاجة مفتاحة بنكيران: درة من نساء فجر الحركة الإسلامية المغربية

بقلم: عبدالله لعماري

عندما يكون المرء على قيد الحياة، يندر أن يتحدث المتحدثون النزهاء عن مآثره وفضائله ومحامده تحاشيا للوقوع في حرج الامتداح أو التزلف، ولكن عندما تنطوي صفحة الحياة في الدار الدنيا لأحدهم أو إحداهن، يصبح لزاما ودينا على الأحياء أن يبرزوا سجايا الأموات وخلائقهم وأعمالهم حتى تخلد للتاريخ وللأجيال، عبرا ودروسا وأمثلة للاحتذاء والاقتداء.

والحاجة مفتاحة، والدة رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، السيد عبد الإله بن كيران، التي ارتحلت إلى دار البقاء، هي واحدة  من نوادر النساء المغربيات، اللائي بصمن سجل الأم المغربية بالكريم من الآثار، والماجد من النماذج، والناجح من المدارس، ليس بسبب نسب أو منعة أو ظهير من سلطة أو ثراء، ولكن لأنها من ذلك الطراز الفريد من جيل الأمهات الذي انبثق مع البشائر الأولى من فجر الانعتاق والاستقلال الوطني، الأمهات اللائي تجندن بأرحامهن وأمومتهن للانخراط في معركة الجهاد الأكبر، ودعم بناء صرح الوطن بتربية ولائد وأجيال الاستقلال.

في ذلك الزمن البهي من الوطنية الغراء، كانت الحاجة مفتاحة ومن على شاكلتها من أمهات فجر الاستقلال، تحولن بيوتهن، إلى ملحقات خلفية للمدرسة الوطنية العمومية، التي شيدها جيل الكفاح الوطني، وعبأ لها كتائب فدائية جديدة، هي كتائب رجال التربية والتعليم، التي كانت بعزائمها وتضحياتها، وصبرها على القليل من الأجر، تفدي عمرها وثمين وقتها وشبابها، من أجل مستقبل البلاد، بتخريج رجال هذا المستقبل.

وقد عاشت الحاجة مفتاحة حتى قرت عينها لما رأت بأم عينها، كيف انبجست من صخر المعاناة والحرمان والخصاص لأجيال انطلاق قطار الاستقلال، عيون هذا المستقبل المأمول وفاضت برجال ونساء الدولة والمجتمع، أطرا وفعاليات ونخبا ورائدة، وعاشت حتى رأت كيف أن التناغم والانسجام بين مدرسة الأمومة المغربية الناجحة التي كانت هي إحدى لبناتها، وبين المدرسة الوطنية العمومية، كيف أن هذا التناغم والتكامل أثمر الواقع الذي تسنى فيه لابنها أن يرتقي من قاعدة المجتمع ومن أوضاع بساطته إلى سدة رئاسة الحكومة وهيلها وهيلمانها.

على أن هذا الدور الناجح في البناء الوطني من خلال الأمومة الراشدة، ليس وحده ما يحسب للحاجة مفتاحة عند ذكر مناقبها، فقد امتدت مناقبها إلى مجالات أخرى من مجالات البناء الوطني، هو مشاركتها في البذل والعطاء للحركة الإسلامية التي انخرط فيها ابنها، وساهم في ديناميتها حتى غدا واحدا من طلائعها وأعلامها.

وما كان لابنها عبد الإله بنكيران أن يختار مساره، مسار الحركة الإسلامية، لولا أنه ارتضع قيمها، قيم الأصالة المغربية من أثداء والدته، وما كان له أن يعطي عطاءه، ويرسخ أقدامه في حقل الحركة الإسلامية لولا أنه كان يجد السند والعون والعضد في المرحومة الحاجة مفتاحة.

وفي الحركات النضالية أيا كان توجهها، يكون النشطاء والدعاة، في أغلب الحالات والتجارب مشدودي الأزر من المحيط العائلي، وخصوصا من الأمهات والزوجات.

ففي أواسط السبعينيات، وجدت الحاجة مفتاحة نفسها في واقع جديد، شأنها في ذلك  شأن كثير من أمهات شباب الحركة الإسلامية، الذين حين يقتحمون بإراداتهم هذا العالم النضالي، يقحمون معهم  أمهاتهم وآباءهم، يتحملون معهم الأعباء والتبعات ولو ضدا على إراداتهم.

وفي هذا الواقع الجديد، لم يكن لها الخيار سوى أن تشمر عن ساعديها، وتوسع صدرها، وتعانق هم ابنها الذي غدا مشبوب الحركة والحماس في اختياره الجديد، وغدا بيته بيت الحاجة مفتاحة في الحي الشعبي، حي العكاري، قبلة للزوار من رفاقه الجدد، أبناء الحركة الإسلامية، يطرقون هذا البيت في الليل وفي النهار.

وفي تلك الأزمنة الأولى من عمر الحركة الإسلامية، كانت الأنشطة والاجتماعات واللقاءات تأويها البيوت، فلم تكن هناك غيرها، إذ لم تكن هناك مقرات، للوضع غير المؤسسي الذي كانت عليه الحركة.

وفي هذه الأوضاع، كانت الحاجة مفتاحة متأهبة على الدوام، لاستقبال ضيوف ابنها  الذين لا ينقطع صبيبهم، بكل ما يقتضيه الاحتفاء من كرم واعتناء، إطعاما ومبيتا.

وإذا كانت بعض الاجتماعات هادئة ولطيفة لأنها اجتماعات تربوية وتأطيرية، فإن الحاجة مفتاحة كان عليها أن تتحمل اجتماعات أخرى كان يعلو فيها الصخب والصراخ، وتنتفخ فيها الأوداج، فالاجتماعات القيادية كانت تقريرية، يغشاها الرأي والرأي المضاد، والهدوء فيها عملة نادرة.

ليس هذا فحسب، مما تحملته المرحومة من أعباء الحركة الإسلامية، فيا ليت أن الأمر توقف عند الاجتماعات بصخبها وضجيجها، بل إن المرحومة ستجد نفسها تركض في رحلات مكوكية، إلى حيث تغشى المحاكم، وتحمل القفف إلى السجون، حينما أصبح ابنها في إحدى شهور 1980 رهين المحاكم ونزيل السجون، وستتحمل راضية محتسبة، آلامها وهواجسها، حينما ابتلعه المعتقل السري درب مولاي الشريف من جديد، شهورا سنة 1981، سنة الاعتقالات في قيادة الحركة الإسلامية.

رحم الله الفقيدة فقد أعطت وقدمت وبذلت، وما بدلت تبديلا.

تعليقات (0)
اضافة تعليق