بالواضح – الرباط
دعا الخبير في السياسات العامة والاتصال الاستراتيجي محمد أيت بوسلهام إلى إرساء آليات منتظمة لتقييم الأداء الحكومي، وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وإعطاء الصحة النفسية مكانة أكبر ضمن الأولويات العمومية، معتبراً أن نجاعة السياسات الحكومية تقاس بمدى انعكاسها الملموس على الحياة اليومية للمواطنين.
ووفق ما جاء في مداخلته الاحد 25 اكتوبر الجاري، ببرنامج «نخرجو ليها ديريكت»، الذي يقدمه الإعلامي عبدالعزيز الرماني على «برلمان راديو»، فإن محاربة الريع والاحتكار والفساد تقتضي أن تبدأ الحكومة بنفسها، من خلال إخضاع القطاعات الوزارية لتقييم دوري يستند إلى مؤشرات واضحة تقيس مدى تنفيذ الالتزامات والبرامج المعلنة، ومدى تحقيق الأهداف المسطرة.
واقترح أيت بوسلهام إحداث هيئة أو جهاز تابع مباشرة لرئاسة الحكومة، يتولى التتبع المستمر لأداء الوزارات، إلى جانب إرساء مكتب إعلامي حكومي يقدم حصيلة دورية عن مستوى تنفيذ البرامج والالتزامات، بما يتيح للمواطنين الاطلاع على النتائج المحققة، ويعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد أن التواصل الحكومي لا ينبغي أن يقتصر على الناطق الرسمي، بل يتعين أن يقوم على تقديم معطيات دقيقة ومنتظمة بشأن أداء القطاعات الوزارية، مشدداً على أن نشر مؤشرات الإنجاز من شأنه تعزيز الثقة في المؤسسات، وتكريس الشفافية، وتضييق المجال أمام ممارسات الريع والفساد والاحتكار.
وفي معرض حديثه عن مشروع قانون المالية لسنة 2027، توقف الخبير عند الغلاف المالي المقدر بنحو 62 مليار درهم لتنفيذ الأولويات الاجتماعية، معتبراً أن أهمية هذه الميزانية لا تكمن في حجمها فحسب، بل في كيفية صرفها، ومدى وضوح أوجه توجيهها، والنتائج التي ستترتب عنها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
كما ربط بين الاستثمار العمومي، الذي يرتقب أن يبلغ 400 مليار درهم، وبين تعزيز البنيات التحتية وتحفيز الاستثمار الخاص، في ظل استعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030. وشدد على ضرورة أن تواكب هذه الاستثمارات آليات واضحة للتتبع والتقييم، حتى تنعكس آثارها على التنمية وفرص الشغل وتحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي الشق الاجتماعي، اعتبر أيت بوسلهام أن تحسين القدرة الشرائية وتوسيع الاستفادة من الخدمات الاجتماعية يظلان من أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة، مشيراً إلى أهمية إجراءات مشروع قانون المالية المتعلقة بتخفيف الضريبة على الدخل، وتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، ورفع المعاشات وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر. وهي تدابير تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمته الحكومة أمام البرلمان، على أن تظل أحكامه خاضعة للمسطرة التشريعية.
كما أبرز أهمية التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق الشغل، داعياً إلى تمكين الشباب من فرص الاندماج الاقتصادي وتشجيعهم على إنشاء مشاريعهم الخاصة، بدل الاقتصار على البحث عن الوظائف. وربط نجاح هذه التوجهات بمدى قدرة البرامج الحكومية على تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة، خصوصاً في ما يتعلق بالتشغيل وتحسين ظروف العيش في المناطق القروية.
الصحة النفسية.. أولوية تستدعي تدخلاً متعدد المستويات
وفي محور الصحة النفسية، دعا أيت بوسلهام إلى تعزيز العرض الصحي المتخصص، من خلال إحداث مزيد من المستشفيات والمراكز المخصصة للأمراض النفسية والعقلية، وتوفير الأسرة والموارد البشرية اللازمة لاستقبال المرضى والتكفل بهم، بمن فيهم الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة ولا يجدون أماكن شاغرة داخل المؤسسات الاستشفائية.
وشدد على ضرورة تطوير التكوين في هذا المجال، والاستفادة من التقنيات الحديثة المعتمدة دولياً، إلى جانب إطلاق برامج للتوعية بالصحة النفسية عبر وسائل الإعلام العمومية، وإدماج مختصين نفسيين داخل المؤسسات التعليمية لمواكبة التلاميذ ورصد الصعوبات التي قد تؤثر في تحصيلهم الدراسي وتوازنهم النفسي.
وربط الخبير هذا الموضوع بالتداعيات الاجتماعية للتفكك الأسري والطلاق، محذراً من إغفال الآثار النفسية التي قد يتحملها الأطفال، باعتبارهم جزءاً من المنظومة التعليمية وجيلاً يعول عليه في المستقبل.
وفي هذا السياق، استند أيت بوسلهام إلى تقدير يفيد بأن 80 في المائة من المغاربة يعانون مشكلات نفسية، غير أن هذا الرقم يحتاج إلى تدقيق؛ إذ سبق لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن أعلنت أن 48.9 في المائة من المغاربة عانوا أو قد يعانون اضطرابات نفسية في مرحلة من حياتهم، كما أفادت معطيات منشورة في شتنبر 2026 بوجود نحو 6.5 ملايين شخص يعانون اضطرابات نفسية بالمغرب.
المحروقات والتقلبات الدولية
وعلى المستوى الاقتصادي، توقف أيت بوسلهام عند انعكاسات التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الأوضاع في الشرق الأوسط، على أسعار المحروقات وسلاسل الإمداد، داعياً الحكومة إلى البحث عن بدائل عملية للتخفيف من أثر التقلبات الدولية على الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا الإطار، طرح إمكانية تنويع الشراكات المرتبطة بتأمين إمدادات الطاقة، مستحضراً روسيا والإمارات العربية المتحدة ضمن الخيارات التي يرى ضرورة بحثها والتفاوض بشأنها، بهدف الوصول إلى شروط تفضيلية تحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين والأنشطة الاقتصادية.
كما تطرق إلى الأوضاع في تونس، معرباً عن أمله في أن تتجاوز البلاد أزمتها وأن تنعم بالاستقرار، ومبرزاً الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع الشعبين المغربي والتونسي.
الإعلام شريك في رصد قضايا المجتمع
وفي ختام مداخلته، نوه أيت بوسلهام بالدور الذي يضطلع به برنامج «نخرجو ليها ديريكت» في تناول قضايا الوطن من زوايا مختلفة، معتبراً أن الإعلام لا تقتصر وظيفته على نقل الأحداث، بل تشمل أيضاً رصد التفاصيل الاقتصادية والاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وطرح الملفات التي تحتاج إلى نقاش عمومي.
وأكد أن الإعلام يمكن أن يشكل قوة مساندة لجهود الإصلاح من خلال إثارة القضايا التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي، ومساءلة السياسات العمومية بشأن آثارها الفعلية، بما يتيح للمؤسسات التعرف على مكامن الخلل والعمل على معالجتها.
وخلص الخبير إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في ترجمة الالتزامات الحكومية إلى نتائج قابلة للقياس، وتعزيز التواصل بشأنها، مع مراعاة التحولات الاقتصادية الدولية ومتطلبات العدالة الاجتماعية، بما يجعل المواطن قادراً على تقييم أثر السياسات العمومية في حياته اليومية.