بقلم: عمر المصادي
في كل مرة يفتح فيها النقاش حول دور الشباب في المجتمع المغربي، يبرز سؤال جوهري يتعلق بكيفية تأطير هذه الفئة وإشراكها في مسار التنمية، وقد شكلت إعادة العمل بنظام الخدمة العسكرية خطوة مهمة في هذا الإتجاه، باعتبارها تجربة تهدف إلى تعزيز روح الإنضباط والمسؤولية وترسيخ قيم المواطنة لدى الشباب، غير أن هذا التطور يطرح اليوم سؤالاً أكثر عمقا: هل يمكن أن يتحول مفهوم الخدمة الوطنية في المغرب إلى مشروع أشمل يجمع بين الخدمة العسكرية والخدمة المدنية؟
إن الإقتصار على البعد العسكري وحده، رغم أهميته، قد لا يكون كافيا للإجابة عن التحديات الإجتماعية والتنموية التي تواجه البلاد، فالمغرب يعيش تحولات اقتصادية ومجتمعية متسارعة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعبئة طاقات شبابه في مختلف المجالات، وهنا تبرز فكرة الخدمة المدنية باعتبارها آلية يمكن أن تمنح آلاف الشباب فرصة للمساهمة في دعم التعليم، والمشاركة في البرامج الصحية، والعمل في مشاريع حماية البيئة، أو المساهمة في تنمية المناطق القروية و الجبلية الهشة.
لكن لماذا لم يتحول هذا التصور إلى سياسة عمومية واضحة إلى اليوم؟
هل يعود ذلك إلى تعقيدات قانونية وتنظيمية، أم إلى غياب رؤية متكاملة تربط بين التأطير العسكري والتنمية المجتمعية؟ ثم هل يمكن للمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني أن تشكل شبكة استقبال وتأطير قادرة على استيعاب الشباب في إطار خدمة مدنية منظمة؟
إن التفكير في إدماج الخدمة المدنية ضمن منظومة الخدمة الوطنية لا يعني التقليل من أهمية الخدمة العسكرية، بل على العكس قد يعززها. فالمفهوم الحديث للخدمة الوطنية في العديد من الدول يقوم على تنويع مسارات الخدمة، بحيث يمكن للشباب أن يختاروا بين التكوين العسكري أو المساهمة في مشاريع تنموية واجتماعية، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في خدمة الوطن وتعزيز روح المواطنة.
كما أن مثل هذا النموذج يمكن أن يحقق أهدافا متعددة في آن واحد:
تعزيز الإنضباط وروح المسؤولية لدى الشباب، تمكينهم من اكتساب مهارات عملية، وتوجيه طاقاتهم نحو خدمة المجتمع.
بل إن البعض يرى أن هذا النظام قد يتحول إلى مدرسة وطنية حقيقية لتكوين المواطنين الشباب وإعدادهم للمشاركة الفاعلة في الحياة الإقتصادية والإجتماعية.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التصور رهينا بطرح عدد من الأسئلة الصريحة:
هل نحن مستعدون لإطلاق نقاش وطني حول مفهوم جديد للخدمة الوطنية؟
وهل يمكن لهذا النموذج أن يصبح أداة لإعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والمؤسسات؟
ثم هل يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لتمكين الشباب وإشراكهم في مشاريع التنمية بدل بقائهم على هامشها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تهم صناع القرار فقط، بل تهم المجتمع بأكمله. فالشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى التأطير، بل هم قوة بشرية قادرة على الإبتكار والإبداع والمبادرة إذا ما توفرت لها الفرص المناسبة.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم هو: هل آن الأوان لأن يعيد المغرب التفكير في مفهوم الخدمة الوطنية، بحيث تصبح فضاء يجمع بين الإنضباط العسكري وروح التطوع والعمل التنموي؟
ذلك نقاش يستحق أن يفتح بجرأة، لأن مستقبل الشباب هو في نهاية المطاف مستقبل الوطن نفسه.