بقلم: حفيظ حاجي
في أقصى الذاكرة، تبدو الزواقين بإقليم وزان كما لو أنها قرية خرجت من لوحة طبيعية زاهية الألوان؛ قرية كانت الخضرة عنوانها، والماء شريان حياتها، والعيون المتدفقة مصدر عيشها وطمأنينة أهلها. ولذلك لم يكن غريباً أن يُطلق عليها في زمن مضى اسم «الزواقين الخضراء»، لما كانت تزخر به من أشجار مثمرة وأغراس وعيون ماء جعلت منها فضاءً نابضاً بالحياة.
كانت عين الزواقين، المعروفة لدى الأهالي باسم «عين الفهامة»، في مقدمة تلك العيون التي ارتبطت بذاكرة المكان والإنسان. مياهها المتدفقة لم تكن مجرد مورد مائي، بل كانت جزءاً من هوية القرية وذاكرتها الجماعية. وحولها كانت الحياة تنمو، والأرض تجود بخيراتها، والساكنة تجد في الماء والأرض ما يكفيها من أسباب الاستقرار.
وكانت الزواقين في سنوات الخصب موطناً لعدد من الخضر والفواكه التي اشتهرت بها المنطقة، من التين والبرقوق والعنب والرمان والبرتقال وغيرها من الثمار التي كانت تمنح القرية لونها الأخضر ومذاقها الخاص. كانت الأشجار تملأ جنباتها، والأرض أكثر سخاء، والعيون أكثر عطاء، وكانت الطبيعة تشكل جزءاً أصيلاً من اقتصاد الأسرة القروية ومن نمط حياتها.
لكن السنوات لم تبقَ على حالها.
فمع توالي مواسم الجفاف، وتراجع التساقطات المطرية، بدأت ملامح الزواقين تتغير تدريجياً. جفّت العيون، وتراجعت الموارد المائية، ويَبِست أغراس كثيرة، وانحسرت المساحات الخضراء التي كانت تمنح المكان جماله وخصوصيته. ولم يكن الجفاف مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في حياة السكان وفي مستقبل القرية.
ومع اشتداد هذه الظروف، بدأت الهجرة القروية تتسع. غادر عدد من أبناء الزواقين بحثاً عن ظروف أفضل للعيش والاستقرار، فاتجهوا إلى مدن مختلفة، وفي مقدمتها وزان وتطوان وطنجة والقنيطرة وسلا. وهكذا بدأت القرية تفقد شيئاً فشيئاً جزءاً من ساكنتها، فيما بقيت البيوت والأرض تحمل آثار أجيال ارتبطت بالمكان وجدانياً واجتماعياً.
لقد كان للجفاف ثمنه القاسي: عيون نضبت، وأغراس ذبلت، وطبيعة تراجعت، وساكنة رحلت.
غير أن الطبيعة، رغم قسوتها، قد تمنح الإنسان أحياناً فسحة من الأمل.
فمع أمطار الخير التي عرفها الموسم الشتوي الماضي، بدأت بعض العيون تستعيد أنفاسها بعد سنوات طويلة من الجفاف والانقطاع، وكانت عودة عين الزواقين «عين الفهامة» إلى الجريان من جديد لحظة ذات دلالة كبيرة بالنسبة إلى أبناء القرية. لم تكن عودة الماء مجرد حدث طبيعي؛ بل بدت للكثيرين وكأنها عودة جزء من الذاكرة التي ظن أهلها أنها اندثرت.
وإذا كان الماء قد عاد، ولو جزئياً، فإن الأمل أيضاً عاد معه. فالماء بالنسبة إلى القرية ليس مورداً فقط، وإنما هو شرط أساسي لإعادة الاعتبار للأرض، وتشجيع التشجير، واستعادة بعض مظاهر الحياة الفلاحية التي عُرفت بها الزواقين في الماضي.
مدرسة صنعت أجيالاً
ولا يمكن الحديث عن الزواقين دون استحضار دور التعليم في تاريخها الحديث. فالقرية تتوفر على مدرسة ابتدائية تعود إلى عهد الاستعمار الفرنسي، عُرفت في البداية باسم مجموعة مدارس الزواقين، قبل أن تحمل لاحقاً اسم مجموعة مدارس علال بن عبد الله.
ومن هذه المؤسسة التعليمية تخرجت أجيال من أبناء المنطقة، وواصل العديد منهم مسيرتهم الدراسية والمهنية في مختلف المجالات، ليصبحوا أطرًا وكفاءات أسهمت في خدمة المجتمع كل من موقعه.
ثم جاءت إعدادية الطيب الزواقي لتشكل إضافة مهمة إلى المشهد التعليمي المحلي، إذ ساهم وجودها في تقريب التعليم الإعدادي من أبناء القرية ومحيطها، وكان لها أثر واضح في تشجيع التمدرس، خصوصاً في صفوف الفتيات، اللواتي أصبحن أمام فرصة أكبر لمواصلة الدراسة دون الاضطرار إلى مغادرة القرية في سن مبكرة.
وهكذا لم تكن المدرسة مجرد بناية في ذاكرة الزواقين، بل كانت وما تزال أحد أهم جسور القرية نحو المستقبل.
سوق الأربعاء.. ذاكرة اجتماعية واقتصادية
وتحتفظ الزواقين أيضاً بسوقها الأسبوعي الصغير، الذي يُقام كل يوم أربعاء بالقرب من المدرسة. ورغم محدودية حجمه، فإن السوق ظل يؤدي وظيفة تتجاوز البيع والشراء؛ فهو فضاء يلتقي فيه أبناء الدواوير والمناطق المجاورة، وتتجدد فيه العلاقات الاجتماعية، وتتحرك فيه بعض الأنشطة التجارية البسيطة.
فالأسواق الأسبوعية في القرى المغربية ليست مجرد أماكن للتجارة، وإنما جزء من الذاكرة الاجتماعية للساكنة، ومحطات تلتقي فيها المصالح والوجوه والحكايات.
الزواقين اليوم.. بين آثار الأمس وتطلعات الغد
اليوم، تقف الزواقين أمام مرحلة جديدة. صحيح أن آثار الجفاف لا تزال بادية، وأن القرية فقدت الكثير من خضرتها القديمة، وأن عدداً من أبنائها استقروا في المدن، لكن القرية ليست كما كانت في سنوات الانحسار الأولى.
فقد استفادت من شبكة الكهرباء والماء والطريق المعبدة، وهي عناصر أساسية ساعدت على تحسين ظروف العيش وربط القرية بمحيطها، كما شجعت بعض أبنائها الذين غادروها في مراحل سابقة على التفكير في العودة والاستقرار من جديد.
ولعل عودة بعض العيون إلى الجريان بعد أمطار الموسم الماضي تحمل رسالة رمزية عميقة: أن القرية لم تفقد كل مقومات الحياة، وأن الطبيعة قد تستعيد عافيتها متى توفرت لها شروطها.
إن الزواقين اليوم بحاجة إلى أن يُنظر إليها لا باعتبارها مجرد قرية عانت من الجفاف والهجرة، وإنما باعتبارها مجالاً قروياً يحمل مؤهلات طبيعية وبشرية وتاريخية يمكن البناء عليها. فإعادة الاعتبار للماء، وتشجيع غرس الأشجار المثمرة، وحماية الموارد المائية، ودعم الفلاحة المحلية، وتحسين الخدمات، وتشجيع أبناء المنطقة على الاستثمار في أرضهم، كلها رهانات يمكن أن تمنح الزواقين فرصة لاستعادة جزء من مكانتها.
لقد تغيرت الزواقين كثيراً بين الأمس واليوم؛ من «الزواقين الخضراء» التي كانت العيون والأشجار والثمار أبرز ملامحها، إلى قرية أنهكتها سنوات الجفاف والهجرة. لكنها لم تفقد ذاكرتها، ولم تفقد أبناءها، ولم تفقد الأمل.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن تستعيده الزواقين ليس صورتها القديمة بحذافيرها، فالماضي لا يعود كما كان، وإنما أن تبني مستقبلاً جديداً مستفيداً من دروس الماضي؛ مستقبل تعود فيه الأشجار إلى الأرض، وتحظى فيه العيون بالحماية، ويجد فيه أبناء القرية أسباباً كافية للبقاء والعودة.
فالقرى لا تموت حين تجف عيونها فقط، وإنما تموت حين ينطفئ الأمل في أهلها. والزواقين، ما دام الماء قد عاد إلى بعض عيونها، وما دام أبناؤها يتطلعون إليها، فما زال في شرايينها متسع للحياة.