السعادة هي القناعة

بقلم: فاطمة الزهراء زروق

لم يعد ذلك الغناء بالصوت الجهوري العفوي يجلجل في حينا في حسان ولا الضحكة الطفولية الملائكية التي تترك في النفوس أثارها المحبب كضحكة طفل بريء في اعوامه الأولى ولم نعد نسمع رد التحية المرحة او القائها من صاحبها للناس او الجيران والمعارف، ورغم ابواق السيارات وضجيجها وهي ترن بصوت مرتفع تقل أصحابها الى مساكنهم في الحي أو الجوار، فغناء الملقب عندنا “الهنا” وضحكته و كلامه بصوت عال كانت تطغى على الضجيج المنبعث من الشارع من كلام المارة والأطفال الذين يلعبون بمرح وسرور أمام بيوتهم، عاد الهدوء الكئيب وخلفه الصمت الرهيب كما كان من قبل أن يفد الينا الراحل الذي كان ضيفنا لمدة سنتين خلفا لمن كان قبله، كان يعمل في المتجر القريب الذي كنا نتبضع منه ويأتينا بأثقالنا ولاسيما قنينة الغاز ويركبها لنا ويسبقه اعلانه لنا بقدومه الينا بطربه البهيج المريح الأمازيغي، صعقت لما عرفت أنه مات حتى حقا تناثرت دموع الحزن من مقلتي على الفقيد الذي رحل الى دار البقاء وغادر دار الفناء، لازلت اذكر جيدا ابن صاحب الدكان يخبرني بنعيه والأسى يملأ وجهه حزنا عليه كان يحدثني كيف مات و لكني لم أع ماذا قال لي عنه سوى أنه مات ضاحكا كيف ما كان يتمنى ويرغب.
أخذ شريط الذكريات يذكرني به جليا من أول يوم أقبل علينا وهو يحمل لنا أغراضنا، منذ ذلك اليوم الذي رأيته فيه وأنا أكن له كل الاحترام وحب الاخوة في الله كان قنوعا وسعيدا جدا لما سمعت طربه الأمازيغي الحلو لأنه كان أمازيغيا وكان يتقنه ويغنيه بنغمات حلوة متوازنة وبسمة كبيرة تكاد تقفز من وجهه ولما كان يتكلم يتخللها مرح الضحكات الطفولية التي ستحس بها فعلا كأنها منبعثة من طفل كبير، لم يكن صغيرا كان في أوائل الستينات من عمره ولم يكن عليلا بل موفور الصحة ودائما محمر الوجه ويتقن عمله جدا ولشدة احترامه لي لما كنت اتبضع الخضر من السوق القريب من منزلي كان يهرع الي ويحمل أثقالي في مرح و تطوعا منه ولكني كنت أعطيه النقود ويأخذها مني مجبرا وفي خجل شديد ومن الغريب أنه كان يضع أحماله كلها في أي موضع من الشارع أو عند حراس سيارات الحي ولم يكن أي أحد قادرا على مس حاجياته فرغم هزله كان مهيبا جدا ولا يساومك ابدا على ثمن حمل الأثقال، أنت نفسك ستحس أنه يجب أن ترضيه وكان يأخده اجره وهو يقول بسم الله على هذه البركة الطيبة التي رزقني بها الله ويدسها في جيبه…مرة تجرأت وسألته عن حياته الشخصية في أدب شديد…قلت له “الهنا” إني أراك وأنت تنعم في سعادة تامة ادري جيدا أنك متزوج ولكن أليس لك أولاد ينغصون عليك حياتك الزوجية بمتطلباتهم فأحيانا تكون فوق طاقتنا ونحن موظفين أما أنت فرجل بسيط الحال..أجابني بضحكة كبيرة صادقة لم يرزقني الله الأولاد ورغم أني كنت أتمناهم ولكني راض جدا وسعيد بقضاء الله ولو لم يكن فيه شر لي وفيه خير لرزقني الله بهم وأنا راضي بقضاء الله وقدره، الله عوضني بزوجة صالحه هي ابنت عمي صابرة وطيبة جدا معي في عيشنا البسيط وتسعدني في كل خدماتها الجليلة لي الزوجية ولم يسبق لنا قط أن تخاصمنا في مدة زواجنا التي هي 30 عاما والحمدلله والشكر لله ترك لي أبي قطعة أرض في نواحي أكادير كإرث وليست كبيرة وبعتها واشتريت منزلا صغيرا في مدينة سلا بغرفتين وباحة متوسطة أقطنه أنا وزوجتي لو سبقتها في الموت سيكون لها برمته لأني كتبته لها عدليا بيعا مني لها ومن بعد موتها ترثه أرملة فقيرة من جيراننا لها أربعة أولاد أعينها قدر المستطاع ما دمت حيا…وعاد ليضحك ضحكته المجلجلة القوية فقلت له ألا تكف عن الضحك…ضحك ضحكة ثانية مجيبا على سؤالي لن أكف أبدا عن الضحك بل سأموت وأنا أضحك في أخر رمق من حياتي أشرب الماء بعد الضحك أتشهد وأموت…وكان متدينا صلاته يقضيها في وقتها هي الأولى ولو كان معك في المنزل يترك كل شيء ويذهب هارعا ليصلي في مسجد الضريح حسان القريب من حينا ويعود ليركب قنينة الغاز بعدما كان يضع الأثقال بسرعة ليعود بعد الصلاة ليكمل مهمته معك واذا كان في الشارع يضعها في اي مكان ويأتي بها اليك مصانة وكاملة.
لما ذهبت لأعزي الزوجة المتألمة لفقد زوجها المرحوم ومعيلها الوحيد فوجئت بها وهي كالبدر ليلة سطوعه جمالا وبهاء وضياء…رغم أنها كانت في الخمسين من عمرها كانت تبدو شابة وهي بين المعزيات الذين يعزونها من الجيران والمعارف مبتسمة ولم تذرف عليه أي دمعة حزن كما اوصاها المرحوم، كانت تسرد علينا بطلاقة قصة موته العجيب عرفت انه كان متصدقا ولكنه لم تكن تعرف كثرة صدقاته في السر الا لما جاؤا من كان يتصدق عليهم يرثونه في حزن ويعلنون بها…أخبرتنا أن ليلة موته الخميس قال لها (فاطمة سأعطيك وديعتك عندي وهي لي أمانة في عنقي منذ أن تزوجت بك) وأزال المفتاح من عنقه وفتح خزينة ودائعه التي كانت فيها أوراقه المهمة و أخذ منها حقيبة جلدية بنية اللون قاتمة وسلمها اياها قائلا لها ستكفيك هذه النقود بعد أن أموت وما يتبقى منها بفضل الله كثير وفيه بركة ويكون الوصي عليها أخوك أحمد فأوصيه ان يتصدق بها بعد موتك واضافت قائلة لم اكن اعلم ما في الخزانة حيث عودني ان لا افتحها في غيابه وحضوره وظللت وفية العهد وهو يناولني اياها كان يمسك بيده اليسرى على قلبه و وجهه المحمر يزداد احمرارا و أن أنة واحدة قلت له : “سي محمد هل تتألم” أجابني لا فقط ضيقة صغيرة أحسست بها إشتغلت اليوم كثيرا سأشرب الماء وستزول حالا وقال لي ضاحكا تصوري مثلا لو مت الأن حالا فأنا أوصيك أن لا تبكي علي ستحرقني في قبري وتعذبني أريد لك من بعدي حياة جميلة وسعيدة إقضيها في عبادة الله والوديعة المالية التي تركت لك ستقضي بها كل حياتك ولن تمدي يدك لأي أحد بعد موتي وسيعينك الله كما أعاننا من قبل بالقناعة والبركة والسعادة الزوجية فقال لها “اقتربي مني وعانقها وقبلها في جبينها وربت على كتفها و قال لها انا راض عنك دنيا و أخرة” وقالت ظننت انه يهذي لأنه يكلمني عن الموت فأجبته لا تدمي قلبي حسرة عليك سأموت قبلك فقال جادا سأسبقك وأموت الأن ناوليني كأس الماء وناولته اياه في ذهول فضحك وشرب الماء وتشهد بنفسه فمات والضحكة مرسومة على وجهه البريء المبتسم.
ومن عجيب الصدف او من الحب الروحي الصادق الذي كان يجمع بينهما لما أتمت زوجته عدتها واغتسلت منها يوم الخميس و ماتت تلك الليلة وكانت مبتسمة وليست ضاحكة كعادتها وقد تشهدت بنفسها وماتت…اما المنزل آل للأرملة الفقيرة ولأولادها بعد الزوجة و كذلك باقي النقود التي كانت في الوديعة…وعرفت من هذه القصة الواقعية التي تعلمت منها في حياتي درسا مفيدا هو أن السعادة هي القناعة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق