السكانير المعطوب في المستشفى… والنشيط خارجه: أين يكمن الخلل؟

بقلم: هشام بلحسين

يطرح الواقع الصحي في المغرب ولا سيما في المستشفيات العمومية، لغزًا بات يتكرر على ألسنة المواطنين، ويثير الاستغراب:
لماذا يعمل جهاز السكانير في العيادات الخاصة أو المراكز الطبية الخارجية بكفاءة ودون انقطاع، بينما يعاني نظيره في المستشفيات العمومية من أعطال متكررة، وغياب منتظم عن الخدمة؟

هذا التساؤل لا ينبع فقط من الإحباط، بل من معاناة يومية يعيشها المرضى وذووهم، الذين يُضطرون لتحمل التكاليف الباهظة للفحوصات في القطاع الخاص، بعد أن “يُعتذر” لهم في المستشفى العمومي بسبب “عطل تقني” أو “صيانة دورية

في جولة قصيرة داخل أحد المستشفيات العمومية، تصادفك عبارة “جهاز السكانير خارج الخدمة” على لافتة ورقية، وكأنها جزء دائم من ديكور المؤسسة. وفي أحسن الأحوال، يُطلب من المرضى العودة بعد أسبوع أو أسبوعين.

تفسيرات الإدارة غالبًا ما تكون جاهزة: “الجهاز قديم”، “قطع الغيار غير متوفرة”، “الشركة المزودة تأخرت في الصيانة”… وهي مبررات تبدو معقولة للوهلة الأولى، لولا أن الأجهزة ذاتها وأحيانًا من نفس الطراز تعمل بكفاءة في مراكز خارجية، دون هذه الأعذار
الواقع أن هذا الاختلال في الخدمة لا يُعد مجرد خلل فني، بل ظاهرة بنيوية لها أبعاد إدارية واقتصادية وحتى أخلاقية. فقد كشف عدد من التقارير والتصريحات السابقة عن شبهات تضارب مصالح داخل بعض المستشفيات، حيث يتم “تعطيل” الأجهزة بشكل غير مباشر (سواء بالإهمال أو بعدم الصيانة
ورغم وجود ميزانيات مخصصة سنويًا لصيانة الأجهزة الطبية في المستشفيات العموميةفي المغرب ورغم تعاقب الوزراء والمسؤولين، إلا أن الوضع لم يشهد تحسنًا جذريًا. وغالبًا ما تبقى الوعود “بالتحقيق والتصحيح” حبرًا على ورق.

في المقابل، نلاحظ أن المراكز الطبية الخاصة تُجري نفس الفحوصات بكفاءة وانتظام، مع توفر الكادر المؤهل والقطع البديلة والصيانة السريعة لا لشيء، سوى لأن توقف الجهاز يعني خسارة مالية فورية. أما في القطاع العمومي، فتوقف الجهاز لا يعني سوى المزيد من الطوابير والمعاناة… دون محاسبة.
الحل لا يكمن فقط في شراء أجهزة جديدة أو زيادة عدد الفنيين، بل في إصلاح منظومة الحوكمة داخل المؤسسات الصحية العمومية.
يجب أن تكون هناك رقابة حقيقية ومستقلة على تشغيل وصيانة الأجهزة. كما يجب إقرار شفافية في عقود الصيانة والتجهيز، ومنع تضارب المصالح بين مسؤولي القطاع العمومي والمراكز الخاصة.
وربط الأداء الإداري بالمحاسبة، بحيث لا تمر أعطال السكانير دون تتبع جدي، ومعرفة من يتحمل المسؤولية
الفرق بين جهاز يعمل بكفاءة وآخر “خارج الخدمة”، لا يكمن فقط في الحديد والأسلاك، بل في الإرادة، والشفافية، والإدارة السليمة.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: “لماذا تعطل الجهاز؟”، بل:
“من المستفيد من تعطل الجهاز؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق