بقلم: شريف محمد جابر
أكثر ما يزهّدني في معظم من قرأ السيرة النبوية من المعاصرين وحاول استلهام “منهج” للتمكين من خلالها أنّهم يبحثون في السيرة عن “وصفة جاهزة” لتغيير الواقع المعاصر. وهؤلاء لا يدركون أنّ درس السيرة الأكبر هو أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان ابن زمانه وواقعه، يبحث فيه عن فرصه المتاحة، هذا مع التمسّك بخطاب الشريعة والدعوة إلى الله.
يحدثك بعضهم عن “مراحل” في السيرة ويتساءل: نحن في أي مرحلة؟ ويأخذ آخر “الحدث” الذي في السيرة ليحاولوا إعادة استنساخه، ويخبرنا ثالث بأنّ الواجب أن نبدأ كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلّم في المرحلة المكّية، ويقول لك رابع: هذا لم يفعله الرسول صلّى الله عليه وسلّم في طريقه إلى التمكين؛ لينفّرك عنه! وكل ذلك بافتراض وجود منهج ثابت مُمَرحَل للتغيير في السيرة لم يكن للواقع والظرف والبيئة دور في رسم معالمه!
وعوضًا عن التفكير في الواقع واقتناص فرصه وممكناته والبحث عن بدائله، أي واقعنا هذا بتضاريسه التي نعيش فيها.. عوضًا عن ذلك يغرق هؤلاء في النصوص ليتكلّفوا صناعة منهج “جميل” منها.
ويقيني أنّ الكثير ممّا يُطرح اليوم تحت شعار العودة إلى القرآن والسنّة والسيرة يحتاج إلى مراجعة وترشيد، فكثيرًا ما تكون عودة معوجّة، لأنّ دروس السيرة تعطيك قيمًا ومناهج ومبادئ عليا تستهدي بها وتعتبر، لكنها لا تخبرك كيف تتصرف الآن في لحظتك الراهنة، وحين تحاول البحث عن إجابات وحلول للواقع السياسي الحالي من السيرة عوضًا عن التفكير بهذا الواقع ملتزمًا بأحكام الشريعة ومستهديًا بالسيرة ومستفيدا من التجارب السياسية القديمة والحديثة؛ يبدأ التكلّف ولَيّ النصوص أو الاستشهاد القاصر بها!
أنت المطالب بتقدير مدى نفع فعلٍ ما أو ضرره في واقعنا الراهن هذا، هل سيحقق المصلحة للأمة أم سيحقق المفسدة؟ وفي قلبك أحكام الشريعة الثابتة لكل عصر تأطُر فعلك. وستتعلم من السيرة كيف مارس الرسول صلّى الله عليه وسلّم – المؤيّد بالوحي – وصحبه هذه الممارسة الإنسانية الصعبة، ستتعلّم كيف كانوا واقعيين، يحسبون حساب الواقع مع وجود الوحي الذي يرشدهم بينهم.. فكيف بنا نحن وقد انقطع الوحي عن أن ينزل اليوم في أحداث بعينها ليخبرنا ماذا نفعل؟!
والمؤسف أن نترك درس السيرة الأكبر هذا، ثم نستنطق النصوص بما نريد أن تخبرنا به أو لنرقّع أفعالنا وتوجّهاتنا! ونترك ساحة الفاعلية الواقعية للبراجماتيين الذين لا يأبهون أَوافَق فِعلهم السيرة أو الشريعة أم لم يوافق، بل ينظرون إلى فرص الواقع التي تزيد من سلطتهم بلا مبادئ ولا أخلاق!