بقلم: كريم زكطة(*)
نسعى من خلال هذه السطور إلى تسليط الضوء على نقطة بالغة الأهمية ،وهي المتمثلة في وضعية فئة من أبرز الفئات المشكلة للنسيج الاجتماعي المغربي، حيث سنتدارس فيها إشكالية الشباب بين الخطاب والواقع، ولا يخفى على أحد، أن الشباب المغربي اليوم، يحيا وضعية هامشية ومعقدة تحد من طموحاته ورغبته في عيش كريم، وحياة سعيدة بوصفه مواطن يتمتع بحقوقه كاملة ويقوم بواجباته، في وطن لا يشجعه على إنجاز مبادراته وإثبات ذاته.
فإلى أي حد يمكن أن يدوم هذا الوضع ؟ ألم يحن الوقت لكي يطابق واقع الحال الخطابات التي تبقى حبر على ورق حول الشباب ؟ لماذا يضل الشباب المغربي مركز اهتمام خطاب في حين يكون على الهامش في الواقع اليومي؟
– بداية ما يزال مفهوم الشباب يعرف كثير من الالتباس، إن على المستوى اللغوي أو البيولوجي أو السيكولوجي..إلخ، ويحدد عمر الشباب مابين 15 و 25 سنة ، وهناك من يحددها من 13 إلى 30 سنة كما يرى كثير من مفكري وعلماء الاجتماع، أن الشباب يتميز بالدينامية والحيوية و الاندفاع والتحرر، ويعتبر بيير بورديو “أن الحدود بين الأعمار هي حدود اعتباطية” وان الفئات العمرية هي نتاج بناء مجتمعي.
ويؤكد دور كايم في هذا الصدد أن الشباب ” قوة تغير مجتمعية لأنها الفئة الأكثر طموحا في المجتمع، والأكثر تقبلا للتغير والمواكبة، والتكيف مع المتغيرات بشكل مرن” ورغم ذلك فإن موضوع الشباب لم يطرق بالحدة التي يعرفها اليوم،إذ أضحى يمتاز بخصوصية فريدة لاسيما في مجال السوسيولوجيا،، ويرجع ذلك إلى ما يعرف بالظاهرة الشبابية، أي التي ظهرت في البلدان الصناعية في فترة الخمسينات و الستينات من القرن الماضي، وثورة مايو بفرنسا1968 ، بالمقابل فالهامشي كما يرى ميشيل فوكو يتطلب قراءة مزدوجة، وتحليلا ثنائيا، أي لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن المركز أي عن سببه، ويتضح أن فوكوالذي اهتم كثيرا بإشكالات السلطة والمعرفة يرى: “ما يمكن ملاحظته على الهوامش يتحدد بناء على علاقته بالمركز”، والهوامش تظهر في مفاهيم الداخل ومن ثم فالمقصيين و المنبوذين اجتماعيا، يتحدد موقعهم في المجتمع الذي يصبغ عليهم هذه الصفة، ولاشك أن هذا المعطى و هو ما يعانيه الشباب المغربي اليوم. أي يجد نفسه في أحضان الهامش ضرورة، لأن كل تصورات الهامش تقوم بكل عناصرها على ثنائيات وعلاقات يحكمها ويضبطها المجتمع، و كل ما هو سياسي إيديولوجي، ويتأسس ذلك يشكل جلي عند الشباب في الإحساس بالدونية، وعقدة التفوق وإثبات الذات، والتمييز والإقصاء والتبعية، الانحراف والارتماء في أحضان الإدمان، الفقر والبطالة. ويبدو أن الشباب المغربي اليوم يعاني نوعا من التهميش وظيفيا وإداريا، ولعل الأرقام التي أكدتها المندوبية السامية للتخطيط في الربع الأول من سنة 2018 : “البطالة الأكثر انتشارا في صفوف حاملي الشهادات الجامعية ب 22.7% ولدى الأشخاص بدون شهادة 4% بمعدل 4 عاطلين من بين عشرة حاصلين على شهادة ذات مستوى عالي، وأغلب العاطلين يقطنون بالمدن” ولا شك أن ملك البلاد قد دق ناقوس الخطر في خطاب أكتوبر بقوله :” إن التقدم المحرز لا يعود بالفائدة على الشباب الذين يمثلون أكثر من ثلث عدد سكان المملكة “. داعيا إلى بلورة سياسة مندمجة للشباب،بحيث حذر صندوق النقد الدولي،غيرما مرة من أن يبقى الشباب بعيدا عن السلطة،وعن المحيط الذي تتخذ فيه القرارات
وعلى المغرب الحد من مستويات البطالة والتهميش ووجوب معالجة الأمر بجدية كبيرة . والملاحظ حاليا في الواقع المغربي أن الفراغ ينخر فئة عريضة من الشباب، تتداخل فيها الكثير من الأسباب المعقدة من بينها: الخلل في تدبير الشأن السياسي، تهميش الأطر الشابة، فشل الدولة في تأهيله.
وإدماجه اجتماعيا ومهنيا، ضعف المعطى الديمقراطي بالبلاد، اختفاء العروض السياسية وقربها من انتظارات الشباب، وغياب الديمقراطية الحزبية، هذه الأسباب وأخرى تجعل من شبابنا يعيش نوع من عدم الثقة والضيق، ناهيك عن الشباب المختلفون بأفكارهم ومواهبهم، فيعانون معاناة مزدوجة، مما يفرز ضرورة بين الفينة والأخرى، ردود فعل إما احتجاجات ميدانية لرفع المطالب أو الهجرة أو نزوح للعالم الافتراضي كمكان للنقد والتفريغ، وفي أحيان أخرى قد تكون هذه الأسباب سببا للاستسلام لأفكار متطرفة وتعصبية….
– ومن هذا المنطلق ومن خلال ما قد مناه بدون ادعاء امتلاك الحقيقة، وجب على الشباب الخروج من شرنقة السياسات الزائفة، ونضاله من أجل حقوقه بعيدا عن الاتكال والارتخاء والكسل والوهم، كما وجب التحذير إن استمر الوضع قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الفعل، مما قد يولد احتقان سياسي و اجتماعي…. مستقبلا وعليه، فداخل “كل أسى أمل”، ولنا أمل كبير في قدرات شباب المغرب فيما قد يقدمه في سبيل وطنهم، ومستقبله شريطة استحضار أهمية “الاعتراف”، بهذه الفئة الأكثر طموحا، مستحضرين في هذا المقام ماقاله المرحوم الشهيد المهدي بنبركة. “المغرب يستطيع ان يفعل العجب بفضل شبابه” وما قاله الأديب الألماني الكبير غوتة “يتوقف مصير كل أمة على شبابها”.
(*) استاذ باحث