الصحافة، حرية موقوفة التنفيذ!

بقلم: محمد أبوخصيب

لطالما حلمنا بواقع أجمل , لطالما إستشرفنا مستقبلا زاهيا مملوءا بروح الأمل ,لطالما إعتقدنا أن ما راود يوما خيالاتنا قد حان وقت عروجه من السماء إلى الأرض , لطالما إعتقدنا أيضا أن صحافتنا ستتنفس الصعداء وتحلق أخيرا في سماء حرية التعبير , وتنفتح المساحات ويتوسع الأفق وتنير الظلمة وتنسدل الستائر السوداء، عشقنا النور وراودتنا أحاسيس أفلاطونية بأننا سنخطوا إلى الأمام بكل حزم وديمقراطية , ظننا وآمنا بأن صحافتنا ستنبعث من رمادها من جديد كطائر فينيق نفض عن جناحيه غبار الذل والمهانة واستنشق عبير الكتابة الموشومة برحيق الحرية  .

لكن , قضت مضاجعنا الكوابيس وأرهقت ذواتنا الفانية وشاهدنا صحافتنا تغتال بدم بارد , صحافتنا تعيش موتا سريريا وتسير على خطى الوأد الرحيم، إعتقالات هنا وهناك، صحفيون وراء القضبان، متابعات بالجملة خارج قانون الصحافة “ولنا فيه عودة”، أقلام مكبلة، أفواه مكممة فإلى أين؟

قانون الصحافة الجديد “88.13” الذي ولد بطريقة قيصرية في الخامس عشر من غشت 2016 ,ذاك الأمل الوردي الذي إنتظره كل مهنيوا القطاع , ليرفع عنهم عباءة القهر وأرق العقوبات السالبة للحرية , سوق لنا كالملاك المخلص لمشاكل الصحافة المغربية , رسموه لنا كلوحة معدة بأنامل القوانين الدولية وروح الوثيقة الدستورية , لكن , هل حقا أزال عن صحافتنا ترسبات الحقب الخالية ؟

بخلاصة مقتضبة , قانون الصحافة الجديد فزاعة في وجه الصحفيين معد بأسلوب مهذب , إن أخطر ما يحمله هذا القانون هو الصيغة التي خط بها , يحمل بدواخله تعريفات ومواد فضفاضة مبهمة تقبل التأويل ويضاف إليها التفاصيل , وهنا سأفتح القوس وأقول (في التفاصيل يكمن الشيطان) , أضف إلى ذلك إلى أن صناع هذه التحفة الفنية أبدعوا في سباكة قانون يعطي للقارئ شعورا بأن القاعدة القانونية قد منحته حقوقه وما آمن به جبه الصغير قد تحقق أخيرا على أرض الواقع , لكن , هيهات وهيهات عند ساعة الحقيقة تنجلي السحب وينكشف الواقع ويصطدم بمساطر التطبيق.

إن قانون الصحافة الجديد وخلوه من العقوبات الحبسية حتى في حالة تجاوز فيما يسمى بالخطوط الحمراء (المادة 71 ) والمخالفات قانونية الأخرى والاكتفاء فقط بالغرامات المالية مجرد صورة منمقة بواقع مخالف لأن نفس المخالفات والجنح ينص عليها القانون الجنائي أو مرحلة إليه , فيجد الصحفي نفسه أمام جبلين مساءلة جنائية ومساءلة أمام قانون الصحافة فلا يظل له سوى رفعه يديه للسماء وإنتظار عدالة التاريخ .

صحفيونا في حالة صدور أحكام بغرامات في حقهم سيجدون أنفسهم مجبري الأداء بصفة شخصية ولا وجود لشئ يطلق عليه بالمسؤولية التكافلية وأداء المؤسسة الصحفية نيابة عنهم ,فيقفون مكتوفي الأيدي أمام مطرقة الأداء وسندان القضبان.

قانونا الرائع ذو الحمولة الإنسانية وصاحب النفحة الحقوقية الكونية الصرفة والمشبع بروح الديمقراطية سيحملنا يوما إلى بر الدول المتقدمة وسينقذنا من براطين التصنيفات المتأخرة للمغرب في مجال حرية الرأي والتعبير , وسيكمم أفواه المنظمات الدولية , وسيدفع عنا سلسلة المتابعة المتكررة , ويقدم للصحفي حقوقه فوق طبق من ذهب , ويمنحه شروط العمل الحر بلا يقود , وأعتقد جازما أنه سيحقق أماني هذا الوطن .

إن انتقدنا للواقع ليس إنتقاما من هذه التربة ولا حنقا عليها ولا تمردا في وجهها , بل لأن أمانينا تتطلع لوطن أفضل يضم الجميع و بأن الصحافة كأسمى تجسيد لحرية التعبير والمثال النموذجي للديمقراطية السليمة من بين أهم عوامل تقدم هذا البلد .

إن غل يد الصحافة يعمق فوهة الهوة ويدمي جراح هذا الوطن أكثر , ويفتح الباب أمام كم هائل من التساؤلات : ما العلاقة الأزلية بين الجنس والصحفي ؟ هل حقا نمتلك حق النطق ؟ هل حقا حققنا المكاسب ؟ هل حقا أخرجنا السجن من الصحافة وسمحنا له بالولوج من النافذة الضيقة ؟ هل حقا مازالت أمالنا قائمة ؟ وهل حقا؟ وهل حقا؟ وهل حقا؟…

إن الصحافة قوة وإبداع , فن يمكن من خلاله الإنطلاق نحو الوجود , الصحافة طريق نحو الحرية , الصحافة ليست فقط مهنة لحطب الأخبار من غابة كبيرة وتقديمها على الشاكلة تروق الجميع , الصحافة رأي وكلمة , الصحافة ليست جريمة .

تعليقات (0)
اضافة تعليق