العقل في التاريخ والتاريخ في العقل؟؟؟ ح 3

بقلم: د. محمد وراضي

   آلاف من السنين والإنسان يصنع التاريخ، والتاريخ يصنعه، يصنعه وهو يمارس التفلسف التطبيقي في تمهيد واقعي له للتفلسف النظري. ومن هنا ندعي نحن ونقتنع اقتناعا تاما، بأن الفلسفة العملية أسبق في الظهور من الفلسفة النظرية؟ كما ندعي ونقتنع بأن الأولى أجدر بالإشادة من الثانية، لأن هذه الثانية لم تكن غير نتيجة للفراغ المتوفر بعد حين من الاستقرار في المدن؟ (عندما يشبع البطن يقول للرأس: هيا للغناء). نعني بعد أن هيأ الإنسان مختلف وسائل العيش التي تجاوز بها مرحلة التنقل، ومرحلة الزارعة، ومرحلة تدجين بعض الحيوانات وبعض الطيور، ومرحلة تباعد الجماعات التي جمعها التعارف والتقارب والتبادل في مقبل سنواتها. عندها توفر الوقت الكافي للتفكير والتأمل، أو تفرغ بعضهم لمهمة التفكير كصورة من صور تقسيم العمل؟ فكان أن اتجه عقل الإنسان من الطبيعة إلى ما رواءها، فتم له التركيز على ما ينتهي إليه فكره من تأملات. تنصب قبل كل شيء على معرفة الوجود بما هو موجود. فاعتبر التفكير في هذا الاتجاه فلسفة، كأن التفكير في الموجودات العينية قد حان تجاوزه. والحال أن التفكير فيها مزية تفوق مزية المفكرين فيما وراءها! حتى المظاهر الحضارية للمفكرين في الماديات للاستفادة منها لصالح البشرية، تظل ماثلة أمام الأعين عبر قرون. بينما تختفي مستخرجات الفلاسفة القدامى بالتدريج إلى حين، عندها يرفض كل علم تبعيته للفلسفة. فكون جسمين نلقي بهما من أعلى برج إلى الأرض، أحدهما ثقيل، وثانيها خفيف، يصل الأول قبل الثاني كما تفيد الفزياء الفلسفية؟ لكن الفزياء الطبيعية تبرهن على أنهما وصلا إلى الأرض أولا بفعل الجاذبية، يعني أن سرعتهما واحدة، غير أن تدخل الهواء لمنع وصول الثاني بنفس السرعة، حال دونه والوصول مع الأول في نفس الآن!

    ولما لم تنجح الفلسفة التي تدعي معرفتها بقضايا ما وراء الطبيعة، وجهت نظرها إلى السياسة والاجتماع، والأخلاق، والاقتصاد؟ دون أن يجديها التشبث بأذناب العلماء فيما يعرف لدى المتفلسفين المعاصرين ب”الإبستمولوجيا”. وكأن الفلسفة أعلنت إفلاسها بخصوص تناول الغيبيات. خاصة منها ما يتعلق بالألوهية التي هي موضوع الإيمان لا موضوع فلسفات عقلانية هائمة متخبطة؟؟؟

    ومع ذلك، نجد لدى المتفلسفين في عالمنا العربي ميلا مباشرا إلى النيل من الله عز وجل، في ربط ما هو ميتافيويقي بقضايا عالم الشهادة كالزواج والإرث والقتل العمد. فالله لدى المتفلسفين المخربقين الذين هم رعاة الزندقة وحماتها، خطاؤون جاهلون أو متجاهلون؟ فالزواج عندهم بأربعة ظلم للنساء، وجهل بأوضاعهن في الآن ذاته؟ والقبول بنيل الرجل ضعفي ما تناله المرأة من الإرث ظلم من الله وجهل له كذلك في آن واحد؟ وقبل كل شيء وبعده أفاد الانصراف عن اعتماد الشريعة في الدول الإسلامية بأن الإنسان أفقه من الله؟؟؟ وأوعى من رسوله بالأوضاع البشرية؟؟؟ مما يعني أن الفلسفة المعاصرة كالتي سبقتها بقرون تتخبط بخصوص الإلهيات خبط عشواء؟؟؟ بينما يقول الفيلسوف الألماني إمانويل كانط: “علينا أن نضحي بالعلم في سبيل الإيمان؟ يعني أن لا نتاول الإلهيات بالعقول الفلسفية لكون هذه العقول نسبية أولا، ثم إنها لا تستطيع إدراك ما هو خارج هذين الإطارين: الزمان والمكان! كما سبقت البرهنة على هذه الأطروحة؟؟؟

    فلزم الاعتراف نطقيا بأن عالم اليوم يقود اللادينيين بفكرهم الميال إلى الأهواء، أكثر من ميلهم إلى العقل المتزن، وكأننا نعود إلى الوراء التاريخي، حيث التضارب في الآراء، على إثر الانتقال من فلسفة عملية إلى فلسفة نظرية وهمية، هذه التي جدت في تفسير نشأة العالم، فكان أن فسرته إما بالتراب، وإما بالهواء، وإما بالنار، وإما بالماء، وإما بهذه العناصر مجتمعة، دون أن يقف المتفلسفون الأوائل عند حد هذه التفسيرات الافتراضية، التي لم يصل أصحابها إلى نتائج نهائية مقبولة، فكان لا بد – والنظريات في الموضوع متضاربة – أن يستمر تكرارها بين القائلين بوجود خالق، وبين المنكرين لوجوده، وأقصى ما اعترف به العلم المعاصر، هو أن الإنسان خلق من طين، وكأن هذا العلم، أريد له أن يعترف بما ورد في القرآن الكريم؟ غير أن أحدهم سمى المسؤول عن وجود الإنسان ب”العقل الكوني”. ويتعلق الأمر هنا ب”فريد هوئيل” الاختصاصي البريطاني في علم الفضاء، والذي طلع علينا في بداية عام 1984م بكتاب  يحمل عنوان “العقل الكوني”. ويعارض فيه فكرة “الصدفة”، وأن هذا العقل هو الذي “أنشأ الحياة على الأرض”.

    وهذه منه من أساطير الأولين. ومن جملتها اجتماع الآلهة في قمة جبل الأولمب كما يزعم مفكرو الإغريق الذين حظوا ويحظون بإعجاب المتفيقهين في الفلسفة عندنا على حد ما يزعمون. مع التزامنا بتوضيح مفهوم الصدفة من جهة، وبتفنيذ وجود المسمى ب”العقل الكوني” الذي أوجد الحياة من العدم كما يبدو من كلام صاحب هذا الزعم البليد من جهة أخرى؟؟؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق