العقل في التاريخ والتاريخ في العقل؟؟؟ ح 4

بقلم: د. محمد وراضي

    ما سماه الاختصاصي البريطاني في علم الفضاء ب”العقل الكوني”، مجرد شطح فلسفي لا دليل على صحته؟

    فإن نحن ادعينا أن هذا المسمى المجهول هو الذي “أنشأ الحياة على الأرض”، فإن عنوان مقالنا لم يعد له أي مدلول. فقد أوضحنا أن مفهوم العقل كي يكتمل، ويدرك نضجه، لا بد من مراحل يقطعها كل من يتصف به، لأنه لا يوجد عقل مجرد، هويته مماثلة لهوية أي موجود كوني. فقد رافقنا افتراضيا تحركات الإنسان وهو بدائي، يبحث له عن القوت والإيواء الطبيعي قبل استقراره في مساكن هيأها بنفسه ولنفسه، وانتهينا إلى القبول بكون عقله آخذا في النمو التدريجي، إلى حين وجوده – أي الإنسان – في الحواضر، والاشتغال بالتفكير المجرد، مما ينفي نفيا قاطعا وجود العقل الكوني الذي نسب إليه فريد هوئيل إيجاد الحياة على وجه كوكبنا الأرضي؟

    وإنشاء الحياة على العموم والخصوص، لا ينبغي أن ينسب إلى عقل، لا بد أن يكون نتيجة التشبع بتجارب متتالية لتقوية الإدراك والذاكرة والذكاء؟ لأن العقل الناضج، كي يمارس وظيفته، لا بد أن يتسلح بهذا الثلاثي الذي لا يصح الاستغناء عن أي عنصر من عناصره، بحيث يكون من حقنا أن نتساءل عما إذا كان الخالق كائنا زمنيا، قضى مراحل في التطور والنمو، فأصبح بمقدوره – وقد اكتمل نضجه – أن يوجد الكون من العدم أولا! ثم الحياة ثانيا بعد إيجاده لإطاري الزمان والمكان، وهما إطاران بدونهما لن يتم الإدراك بأي وجه كان، ولأي إنسان كما برهنا قبل الآن!

    لكن تسليم فريد هوئيل بكون الحياة على الأرض محدثة، معناه الاعتراف بضرورة وجود محدث لها. وهذا المحدث هو الله الخالق لدى المؤمنين بالأديان السماوية! أما أن نطلق عليه “العقل الكوني”، فتضليل لا يؤيده دليل بالإمكان القبول به؟

    وفي نفس مؤلف فريد هوئيل المشار إليه، دفاع مستميت عن ثوابت العالم الطبيعي. فعنده أن نشأة الحياة في العالم لم تكن بمحض الصدفة، إذ العلم الطبيعي يقوم على أساس خضوع الظواهر الكونية جميعها للحتمية، التي حدد تعريفها في الآتي: “كلما توفرت شروط معينة تمام التعيين، أدت إلى نتائج معينة تمام التعيين”. وهذا التعريف المشاع للحتمية يشير إلى مفهوم “العلية” أو إلى مفهوم “السببية”. هذه التي عالجها الفلاسفة بأكثر من طريقة. فقد عالجها الغزالي، وعالجها دافيد هيوم الأنجليزي في محاولة منهما للطعن فيها، أو حتى لإلغائها، أو لإلغاء مدلولها السائد لدى خواص الناس وعامتهم على حد سواء.

    ونحن نؤيد بإطلاق كافة العلماء الحريصين على إبعاد “الصدفة” عن العلم، لأن القرآن أولا خطاب عقل. ولأنه ثانيا ينفي الصدفة بكل وضوح في غير ما آية. ولأنه ثالثا يمجد العلم ويدعو إلى طلبه. ولأنه رابعا يعتبر العلماء أقرب إلى الله من أشباه العلماء، الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم من الناس الفاسدين المفسدين، وفي طليعتهم الحكام؟؟؟

   وللتدليل على رفض ديننا “الصدفة ” نسوق قوله تعالى: “وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض”. والقدر الذي هو هنا عنصر من عناصر الإيمان، بمثابة الحتمية الطبيعية، والتي تعني هنا الربط بين الأسباب والمسببات، مما يؤكد كون القرآن معروضا على العقول النيرة، لا على العقول الواسنة. فمضامينه “لا يعقلها إلا العالمون: ومن هنا جاء قوله سبحانه: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”. وقوله: “هل يستوي الأعمى والبصير”.

   فلدينا علماء بصراء بالدين، ولكنهم عميان حينما يتعلق الأمر بتطبيقه؟ ولدينا جهلة به، ولكنهم يحشرون أنوفهم في الحديث عنه، والاستشهاد بآيات منه؟ ولدينا من يروجون للظلمات، ويطفئون الأنوار، كفعل الرسميين المتبجحين بالإسلام المغربي، الذي يجري تسويقه عبر العالم؟ والطرقية البغيضة والقبورية الشركية من أبرز معالمه ومميزاته؟ إلى حد أن هناك تكتلات لمحاربة الدين الحق. ولهؤلاء ولأولئك أقول بلغة كلام الله: “فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد”.

تعليقات (0)
اضافة تعليق