المغرب المفترى عليه من قبل بعض أهلنا بالخليج..

بقلم: د. طارق الليساوي

في بداية هذا الشهر المبارك شهر الصيام والقيام والقرآن، كتبنا مقالا بعنوان “معارك الدراما الخليجية في شهر رمضان، أولويتها التطبيع مع الصهاينة والعداء للإسلام وأهله، والغاية خدمة مشروع صهيو-أمريكي لن يكتب له النجاح..” انتقدنا فيه بعضا مما يتم الترويج له في هذه الأعمال الدرامية، وقلنا بأن حكام السعودية والإمارات يغردون خارج السرب، ويروجون لمشروع إفسادي يضر بهم أولا قبل أن يضر بباقي الأمة العربية والإسلامية، فالنزول إلى القاع لا يعني بالضرورة تقدما، وخيانة قضايا الأمة بدعوى الإنفتاح على الأخر، لا يعني بالضرورة رقي حضاري وتفتح ذهني، ففاقد الشيء لا يعطيه، والتسامح والقبول بالصهاينة المغتصبين لأرض فلسطين وللمسجد الأقصى ليس بمفخرة لأحد من المسلمين، بل هومذمة وسيظل كذلك إلى قيام الساعة..

لكن المشروع الإفسادي لم يقتصر على محاباة ومولاة أعداء الأمة، بل إمتد إلى تخريب شعوب الأمة، فقبل فترة تم شن حرب مدمرة على اليمن من قبل السعودية والإمارات تحث شعار حماية الشرعية، وما رأيناه طيلة خمس سنوات هوتدمير لليمن وشعبها، وتقسيم اليمن لدويلات بدلا من الحفاظ على وحدته وتماسكه، كذلك تم دعم الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي، ورأينا الموقف السلبي والمدمر لكلا البلدين، في وأد التحول الديموقراطي في مصر وليبيا، والجهود التي بدلت في تونس والمغرب بغرض تخريب الاستقرار والتحول السياسي السلس الذي حدث في البلدين بعد 2011.. بل إن هذا الدور الإفسادي إمتد لبعض الدول الإسلامية كتركيا وماليزيا، ففي ماليزيا مثلا، كشفت ملفات الفساد في حكومة “نجيب عبد الرزاق “، عن تورط بعض قيادات الصف الأول في السعودية والإمارات في قضايا الفساد، وموقف حكومة “محمد مهاتير” من السعودية والإمارات كان واضحا طيلة فترة توليه رئاسة الحكومة منذ 2018 إلى حدود إستقالته قبل نحو ثلاث شهور…

وهذا التوجه إمتد للمغرب فقد رأينا قبل فترة موقف عدائي ضد الشعب المغربي وضد قضية الوحدة الترابية للمغرب، والواقع أنني لم أرد أن أتناول هذا الموضوع ، لكن شعرت بأن هناك خطأ جسيم تم إرتكابه في حق الشعب المغربي والذي يشرفني الإنتماء له، وخاصة عندما تم التطاول على عرض المغربيات وإتهام المغاربة بالخمول، لأن إقتصادهم يقوم على السياحة وتحويلات المهاجرين المغاربة، والقائل بذلك أشك في قدراته الذهنية، وإن كنت على يقين بجهله وضحالة تفكيره، وما كنت لأرد على مثل هذه الصفاقة، لولا أني أدرك جيدا أن المسألة ليست مجرد خطأ غير مقصود أو تجاوز من قبل فرد أو وسيلة إعلامية في حق المغاربة، وإنما هو توجه رسمي لأن هناك حملة ممنهجة ضد المغرب وتونس كذلك، فحرية التعبير في كلا البلدين منعدمة تماما،  لأن الاحرار والمثقفين وأهل الفكر وأصحاب المبادئ إما في المعتقلات أو تحث الإقامة الجبرية ولا يسمح لهم حتى بالتغريد، ومن يتصدرون المشهد في الغالب هم أبواق للنظام السعودي والإماراتي أو كما يقال ذباب إلكتروني وفعلا ذباب..

وبالعودة إلى المغرب والاتهامات الموجهة لشعبه، فهي عارية عن الصحة، وشرف المغربيات لا يلطخه بعض النسوة الفاسدات، لأن الشاد لا حكم له، وفي جميع شعوب الأرض هناك الطالح والصالح، والحسن والقبيح، ونسبة الفاسد من الصالح قليلة ومحدودة ، لكن الخلل في عين الملاحظ وطبيعة تركيبته النفسية والخلقية، ونوعية تعليمه وتربيته هي من تحدد موقفه، فالفاسد يرى كل الناس فاسدين، لأن عينه كعين الذباب لا ترى إلا موضع “النجاسة”، لكن كريم النفس والخلق تعف نفسه عن الخوض في الأعراض وعن التطلع إلى مواطن الشبهات ولا ترى عينه إلا الخير وهوبذلك كعين النحلة التي لا ترى إلا مواضع الرحيق على الزهور ولا تضع قدميها إلا على كل نافع…

الواقع أن نفسي تعف عن الخوض في ممارسات بعض الأشخاص في السعودية والإمارات ولا نريد الرد عليهم بنفس أسلوبهم، لأني أخشى المولى قبل كل شيء، ولأني أحترم نفسي وشعبي وشعوب هذه البلاد، فلابد الفصل بين غالبية شعوب الجزيرة العربية وبعض حكامها ونخبها، وفساد هؤلاء وظلمهم أصبح بينا، والإستمرار في السكوت عنه جريمة في حق كل الشعوب العربية والإسلامية…

أما تشويه صورة المغاربة من قبل بعض المطبيل في السعودية والإمارات، فلن يضر بتاريخ المغاربة وكرم أخلاقهم، ورفضهم للذل والخضوع والخنوع، فتاريخ المغاربة لا يمكن إنكاره فمن منا لم يسمع بطارق ابن زياد الذي قاد فتح الأندلس وهو مغربي أمازيغي، وهل يمكن إنكار دور المرابطين والموحدين في حماية الثغور الإسلامية وفي حماية الأندلس لقرون ، المغرب ليس دولة موز أو مشيخة بئر بترول ، المغرب حضارة عريقة ويكفي جولة في المدن المغربية لمعرفة تاريخ المغاربة، بل دور المغاربة إمتد لبلاد الحرمين وأوقاف المغاربة وقبورهم بمكة المكرمة والحرم النبوي شاهد على عراقة المغاربة وعمق تدينهم، نفس الأمر في القدس حيث أن أوقاف المغاربة شاهد على جهاد هذا الشعب …

أما بالعودة للحاضر ، فأعتقد أن المغاربة ليسوا عالة على بلد من البلدان ـ بل هم من أمهر الصناع والحرفيين ، ومن أفضل الأطباء والعلماء، ودور العلماء المغاربة في البلدان المتقدمة لا يمكن إنكاره ودورهم الإنمائي لا يمكن إنكاره بأي حال، فكم من القصور التي تم تشييدها في السعودية والإمارات بنية وفقا للهندسة المغربية، فالجبص المغربي والنقش على الخشب علامة مسجلة للمغاربة، ولا يكاد بيت خليجي يخلو منهما..

هذه بعض إضافات المغاربة، فماذا قدمتم للعالم غير النفط، وهو بالتأكيد ليس نتاج لمجهود بشري وإنما هبة من الله وهبها للأمة الإسلامية قاطبة، لكن احتكرتموها لأنفسكم، وتم توظيفها في الهدم لا البناء واللإفساد لا الإعمار – خاصة بعد عام 2011 -، بل لم تدركوا أنها ثروة ناضبة وأنها إلى زوال، وحينئد سوف نرى مدى كفاءة سياساتكم الإقتصادية؟ والأدهى من ذلك أن مدخرات عقود تم تبخرها خدمة لأطماع ترامب.. أما الشعب المغربي فيعتمد في الغالب على عرق جبينه لكسب قوته وقوت أبنائه، فأغلب المغاربة يزاولون أنشطة إنتاجية وصادرات المغرب من المنتجات الفلاحية شاهد على الجهد الذي يبدله الفلاح المغربي، وصادراته الصناعية شاهد على جهد العامل المغربي..

نعم لسنا راضون على منهجية إدارة البلاد وعن السياسات العمومية، ونعلن معارضتنا ذلك في قلب الجامعة المغربية ، ونصرح بذلك علنا في أكثر من مناسبة، وهذه إضافة تحسب للمغرب والمغاربة، ففي المغرب يستطيع المواطن إنتقاد الملك والحكومة ولا يحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام أو التقطيع بالمنشار.. ففي المغرب عندما طحن مواطن بالخطأ ، خرج شعب بأكمله للتضامن مع الريف، فالمغرب مهما يكن فهو بلد التنوع الثقافي وبلد الحرية ، وبلد الإسلام فمساجد المغرب عامرة ويذكر بها كتاب الله بكرة وعشيا وسنة رسوله متبعة والتدين في أوساط المغاربة لا يمكن إنكاره.. نعم هناك مراقص وملاهي ، ولكن لن يستطيع أحد الإدعاء أنه مكره على الدخول للمسجد رغما عن إرادته، أو منعه من الدخول إليه إذا شاء، وبالقدر نفسه فمن يريد الدخول للملهى أو المرقص فله ذلك، نعم لسنا من المؤيدين لإنتشار الخمر والميسر وغير ذلك من الموبقات، ونتمنى أن يتم منع ذلك ليس لضرورة دينية فقط، بل لأن مضار ذلك أكثر من نفعه..

فالمغرب كغيره من البلاد فيه الصالح والطالح وفيه الحق والباطل وتلك سنة من سنن الله، لكن مع ذلك فإن عدد من يناصرون الحق أكثر بكثير ممن يسيرون على خطى الباطل،فيكفي المغاربة شرفا أن فلسطين والقدس وقضايا الأمة توحد المغاربة بإختلاف أطيافهم السياسية وتنوعهم الإثني والمجالي ، فالأمازيغي والريفي يقف جنبا إلى جنب بجانب العربي، وهذه الفروق لا قيمة لها على أرض الواقع، فمدن كالرباط أو الدار البيضاء هي خليط من كل سكان المغرب، وكما أن الحديث عن الأمازيع والبربر بصيغة التنقيص ، هو جهل بواقع المغرب وأهله فرئيس الحكومة المغربي بربري من سوس..وكبار علماء الفقه والسنة والأدب ولغة الضاد هم مغاربة من أصول بربرية، وعلى سبيل المثال “مختار السوسي” وهو عالم جليل أمازيغي، فهل أنجبت الإمارات أو  السعودية عالما مثله؟

وكلامنا هذا لا نعني به إطلاقا الشعب السعودي أو الإماراتي ، فنحن نعلم أن غالبية الشعبين ليست من طينة مروجي هذا الكلام السخيف والاتهامات الباطلة، ويرفضون السياسات الخاطئة لكلا النظامين وإن بقلوبهم، لأن درجة القمع والقبضة الأمنية الشديدة تعيق الكثيرين من إبداء مجرد الرأي.. والذي ينبغي أن يعرفه كلا الشعبين أن نضال المغاربة من أجل الحرية والديمقراطية ومعهم باقي شعوب الربيع العربي غايته إخراج الأمة العربية والإسلامية من حالة الخنوع والتخاذل ، وحفظ مقدساتها وحرماتها من أيدي العابثين وفي مقدمة ذلك الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى… والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

(*) إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق