المونديال يربك النوم والعمل.. والساعة الإضافية في قلب الجدل

مع اقتراب انطلاق منافسات كأس العالم، يعود إلى الواجهة نقاش يتجاوز حدود كرة القدم والمتعة الرياضية، ليطرح أسئلة يومية مرتبطة بإيقاع حياة ملايين المغاربة، في ظل برمجة مباريات المنتخب الوطني في توقيت متأخر لن ينطلق قبل الحادية عشرة ليلاً، لينتهي عند الواحدة بعد منتصف الليل، بينما ينتظر الموظفون والمستخدمون والتلاميذ والطلبة صباحاً يوم عمل أو دراسة جديد تحت نظام الساعة الإضافية (GMT+1).

هذا الواقع يضع شريحة واسعة من المغاربة أمام معادلة صعبة بين الرغبة الطبيعية في متابعة المنتخب الوطني في حدث عالمي استثنائي، وبين الالتزامات المهنية والدراسية التي لا ترحم، خاصة وأن مباريات كأس العالم ليست مجرد لقاءات رياضية عابرة، بل لحظات جماعية توحد الشعور الوطني وتخلق حالة تعبئة وجدانية يعيشها المجتمع بأكمله.

ومن هنا، يبدو النقاش حول العودة المؤقتة إلى الساعة القانونية (GMT) أكثر من مجرد مطلب ظرفي مرتبط بكرة القدم، بل خياراً عملياً يراعي التوازن بين الواجبات اليومية والحق في الاستمتاع بحدث عالمي ينتظره المغاربة بشغف كبير. فحين تنتهي المباراة عند منتصف الليل تقريباً وفق التوقيت القانوني، يختلف الأمر كثيراً عن انتهائها بعد الواحدة صباحاً، خصوصاً بالنسبة لمن يضطرون للاستيقاظ في ساعات مبكرة من أجل العمل أو الدراسة أو التنقل.

كما أن الحفاظ على الساعة الإضافية خلال هذه الفترة قد ينعكس بشكل مباشر على المردودية والتركيز والإنتاجية، بالنظر إلى ما قد يسببه السهر الجماعي من إرهاق وتعب، وهو ما قد يطال الإدارات والمؤسسات التعليمية والمقاولات على حد سواء. لذلك، فإن معالجة هذا الموضوع من زاوية اجتماعية وواقعية تبدو أكثر حكمة من اختزاله في مجرد نقاش تقني حول التوقيت.

ولعل ما يمنح هذا الطرح وجاهته، أن الدولة المغربية سبق لها في مناسبات متعددة أن أبدت مرونة في تدبير الزمن الإداري والتوقيت الرسمي وفق خصوصيات معينة، كما يحدث خلال شهر رمضان، حيث يتم اعتماد إجراءات تراعي طبيعة المرحلة وإيقاع الحياة اليومية للمواطنين. وبالتالي، فإن التفكير في العودة المؤقتة إلى الساعة القانونية خلال فترة كأس العالم لا يبدو مطلباً مستحيلاً، بقدر ما يعكس سعياً إلى خلق نوع من الانسجام بين متطلبات الحياة اليومية والحدث الرياضي العالمي الذي سيستأثر باهتمام المغاربة.

إن كأس العالم ليس مجرد بطولة عابرة بالنسبة للجماهير المغربية، بل مناسبة وطنية تحمل أبعاداً رمزية ونفسية واجتماعية كبيرة، خاصة بعد الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر. ولذلك، فإن توفير ظروف أفضل لمتابعة مباريات “أسود الأطلس” قد يكون خطوة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أثراً معنوياً واجتماعياً واسعاً داخل المجتمع.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يجب العودة إلى الساعة القانونية؟ بل: كيف يمكن تدبير هذه المرحلة بطريقة متوازنة تراعي راحة المواطنين، وتحافظ في الآن نفسه على السير الطبيعي للحياة العامة؟ وهو نقاش يستحق أن يُطرح بهدوء وحكمة، بعيداً عن المزايدات، لأن الزمن في النهاية ليس مجرد أرقام على الساعة، بل جزء من جودة الحياة اليومية للمغاربة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق