الهجرة…ميلاد مجتمع:ميراث النبوة/الجاهلية (1)

بقلم: بدر الجنيدي

يعتبر الأستاذ مالك بن نبي في بداية كتابه ميلاد مجتمع، أن هذا الأخير يملك شخصية وهوية وخصائص تميزه على غيره وتضمن له البقاء فيقول:”فالمجتمع يحمل إذن في داخله الصفات الذاتية التي تضمن له الاستمرار، وتحفظ شخصيته ودوره عبر التاريخ. وهذا العنصر الثابت هو المضمون الجوهري للكيان الاجتماعي،إذ هو الذي يحدد عمر المجتمع، واستقراره عبره الزمن،ويتيح له أن يواجه ظروف تاريخه جميعا. وهو الذي يتجسد في نهاية الأمر في شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تربط أفراد المجتمع فيما بينهم،و توجه ألوان نشاطهم المختلفة، في اتجاه وظيفة عامة،هي رسالة المجتمع الخاصة به”. قدمت بهذا النص، لأقف على إجابة سؤالين لماذا رفض المجتمع المكي المشروع الإصلاحي النبوي؟ و لماذا كانت الهجرة؟. و سأخصص هذا المقال للسؤال الأول محاولا الوقوف على أعطاب المجتمع المكي و الذي منعته من التعاطي مع الدعوة المحمدية رغم وضوح عناوينها،ممتنعا على الإصلاح و الاستماع للنقد الداخلي للأوضاع المبثوث في القرآن المكي على مسار عقد و ثلاث سنوات. لقد عاش المجتمع القرشي بطبقاته و نخبه في منظومة دينية،فكرية،أخلاقية،اقتصادية، وسياسية، تصوغ للإنسان تصوره حول نفسه و الوجود وصفها القرآن بالجاهلية،هذه المنظومة كانت مشروع مجتمع يؤمن لأفراده حالة من الروحانيات،و رواج اقتصادي،و قانونا للتقاضي والتحاكم،لكنها في نفس الوقت منظومة متهرئة،تحتاج لقوة السيف لتستمر. لقد عاش النبي (ص) في ظل هذه المنظومة لمدة أربعين سنة،إلى أن انعزل عنه في حالة تأملية بغار حراء،ليعود حاملا معه مشروعه الإصلاحي المتجسد في ميراث النبوة،هذا الأخير الذي حاولت الجاهلية دهرنته و علمنته،مفرغة إياه من بعده السماوي،و هذا ديدن الجاهلية في كل عصر،حيث تغلف ما هو سماوي بما هو أرضي،فاصلة الإنسان عن منابع الروح. كما ذكرت حافظت الجاهلية على الشعائر،فبيت إبراهيم هو نفسه البيت،و الأخلاق هي الأخلاق إلى أن تحظ بمسميات أخرى،و القانون هو القانون لكنه يرتكن للأهواء،و دار الندوة البرلمان القرشي ينعقد كما عادته إلا أن النزاعات قد تستل لها السيوف لأتفه الأسباب، القصد أن المجتمع في ظاهره ينبض بالحياة،إلا أنه قد نُخر فسادا و ظلما،و طبقية،و تحللا،و تقطعا في أوصال العلاقات الاجتماعية،و هو ما ركز عليه النبي الكريم في أول دعوته، و تجده في ردود جعفر بن أبي طالب أمام ملك الحبشة. لقد طرح الرسول الأكرم (ص) مشروعه الإصلاحي، و الذي أحدث رجة في المجتمع المكي،وصل صداه إلى أحياء قريش،و صار حديث نواديها،و بدأ عدد المقبلين على هذه الدعوة الثورية يتزايد،و هذا ملمح عميق،و درس جليل يفيد أن المجتمع يتعايش مع خلله إلى حين ظهور بديل يحفز الطاقات النائمة،فالأفكار تملك قوة ذاتية بفضل بساطتها،و انسجامها مع نفسها،تنتشر انتشار التيار الكهربائي في الأسلاك فتستنير المصابيح. لقد شكل ميراث النبوة منذ فجر التاريخ بديلا حضاريا عن مشاريع الجاهلية،و إن تزيت بأزياء الكهنوت/الفكر/التنوير/العقلانية/التحديث/الدهرنة، فسعيها دوما إلى إصدار نسخا محرفة عن ميراث الأنبياء،لتستفرد بالإنسان و تجعله خاضعا للمادية الصماء،فهي تروم الشرك بدل التوحيد،و الظلم بدل العدل،و القوة محل الرحمة،الإكراه بدل الإقناع. فأمام نصاعة المشروع النبوي لم تجد الطبقة السياسية و الاقتصادية و الكهنوتية إلا أن تحرك آلتها الإعلامية، في وجه الدعوة و الداعية،تشويها و تكذيبا و تزييفا للحقائق و كيل للاتهامات،و بعد أن فشلت مناوراتها و عروضها التفاوضية دخلت مرحلة التعذيب و الحصار و التصفية البدنية. فالمجتمعات المريضة تدافع عن منظومتها بالقوة، عوض الحوار الهادئ البناء،و ماذا كانت ستخسر مكة لو فتحت الباب للنقاش و التحاور،و ما هو السيناريو المحتمل لو قبلت ب”لكم دين و لي دين” و “خلوا بيني و بين الناس”،لكن الجاهلية كمنظومة منغلقة ترى صلوحيتها فقط، و هي بذلك تؤذن بزوالها. خلاصة هذا التأمل: أن الصراع الأبدي كان بين ميراث النبوة و مشاريع الجاهلية بمختلف تلاوينها،فالأول يحاول صوغ تصور الوجود حيث يجعل الإنسان مستخلفا فيه معمرا لا مدمرا، و الثاني يطلق له العنان ليسطو بأخيه الإنسان تحت أسماء عديدة،و يعلن وفاة الإله،ليحل محله،فيخلق مجتمعات ظاهرها الانسجام،باطنها التفكك… تواصل سيرها بقوة الدفع إلى أن تنبع دعوة جديدة تستلهم من ميراث النبوة لتبدأ دورة الحياة و ميلاد المجتمع.

تعليقات (0)
اضافة تعليق