بقلم: عمر عداني
من المقرر في القرآن الكريم أن النصارى واليهود حرفوا دينهم، وادخلوا فيه ما ليس منه بل كتموا أشياء كثيرة أنزلت في الإنجيل والتوراة، وقد انطلق هذا التحريف من التوحيد والعقيدة في الخالق جلا وعلا، وامتد ليشمل أمورا أخرى كالقضايا الاجتماعية ومنها منزلة المرأة ومكانتها. حيث اعتقدوا أن المرأة مخلوق ساقط ومصدر للشر، فكانت الكنيسة تتبنى هذه العقيدة وترسخها في المجتمع، الشيء الذي أثر في معاملة الرجال للنساء، وجعلهم يحتقروهن ويهينونهن وإذا اكرموهن فذلك لغرض في نفس يعقوب، حتى إذا قضوا منهن وطرا ألقوا بهن في ركن الإهمال.
وقد كان لهذا الفكر المشين المعادي للمرأة، دور كبير في تغطية جهود دعاة التحرير في الغرب لفصل المرأة عن الدين وكل ما يمت له بصلة، واعتباره عدوا لذوذا للمرأة، فانطلقوا ينظرون ويخططون، ويقومون بأنشطة مختلفة من أجل النهوض بالمرأة ورد الإعتبار لها وتمتيعها بحقوقها، واقناعها بأن الدين عموما والحفاظ على مكارم الأخلاق مظاهر تقليدية، اكل عليه الدهر وشرب، ومعوق من معوقات الإنطلاق نحو حياة جديدة، تحت شعار الحرية والمساواة.
ففي سنة 1948، صدر الإعلام العالمي لحقوق الإنسان، فكل ناظر فيه يقف حول حقيقة مهمة ألا وهي: أن المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة هي العمود الفقري لهذه القضية، فمن وجهة نظرهم لا يمكن أن تصلح وضعية المرأة، ولايمكن ان تتمتع المرأة بحقوقها، إلا إذا طبق مبدأ المساواة التماثلية بين الرجال والنساء في كل التشريعات والقوانين، وهكذا جاءت مؤتمرات الأمم المتحدة لتكريس هذه القناعة وعولمتها، وقد اتسم هذا الاهتمام الغربي بالمرأة بتهميشه للإسلام، بل والطعن في كثير مما جاء فيه فيما يتعلق بالمرأة، ورمي العلماء والدعاة بالرجعية والتخلف والتطرف، في سلسلة من الإتهامات التي يقصد منها بالدرجة الأولى حشر الإسلام في زمرة الديانات المحرفة التي حملت فكرا ضد المرأة. فالقوم تهجموا على الشريعة، ودعوا إلى إلغاء قيود أحكامها!!! فدعوا إلى المساواة المطلقة بين الجنسين! دعوا إلى أن يكون الإجهاض غير مخالف للقانون، وأن يكون مأمونا طبيا، ودعوا إلى إلغاء القوانين التي تنص على اتخاذ إجراءات عقابية ضد المرأة التي تقوم بإجهاض غير قانوني، وأيضا دعوا إلى أن يكون الإجهاض حقا من حقوق المرأة، بل ودعوا إلى إنشاء مستشفيات خاصة بالاجهاض، إلى أن أقروا قتل الأجنة بدعوة أن هذا حمل غير مرغوب فيه!!! وهكذا في سلسلة من الشرور التي يوهمون أن تطبيقها شرط في إنصاف المرأة وتحريرها! فكل متتبع منصف، أضحى بينا له أن مايدعو إليه الإسلام في شق، وما يدعو إليه القوم في شق ثان، فالإسلام يدعو المرأة إلى توحيد ربها والانقياد لشرعه، والقوم يدعونها للالحاد والتمرد على الله، والإسلام يدعو إلى المساواة التكاملية بين الرجل والمرأة؛ وهم يدعونها إلى التبرج والرذيلة، والإسلام يدعو لبناء الأسرة على المودة والتكامل، وهم يدعون إلى بنائها على التربص والكيد والتنافس…. فوالله لا أجد تعبيرا جامعا لهذا المعنى أبلغ وأحسن من قول ربنا في سورة النساء :(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) الاية 27. فالمرأة في فكرهم وممارساتهم في وضعية لا تحسد عليها؛ نزلوا بها إلى أدنى درجات الانحلال الأخلاقي، وخدعوها بشعارات الحرية والمساواة، فهتكوا العرض وقتلوا العفة، حتى صار عرض الكثير منهن رخيصا مبتذلا، فقالوا سننتصر لها لكنهم غلوا وافرطوا، وتطرفوا تطرفا يقابل تطرف السابقين الأولين. وهنا يحق لنا أن نطرح بعض الأسئلة المهمة: أليس من حق المرأة أن تصون كرامتها؟؟ فلماذا يجمع القوم على السكوت عن المطالبة بحق أساسي من حقوق المرأة ألا وهو حقها في صيانة عرضها، والحفاظ على عفتها وشرفها؟؟ لماذا لايعرجون على هذا الموضوع الخطير البتة؟؟ لماذا يجعلون بينهم وبينه حجابا مستورا؟؟ بالله عليكم!! أليس من الاعتداء على المرأة أن يستغل الرجل حاجتها المادية فيهتك عرضها بعدما يغريها بالمال… فيقضي وطره منها ثم يتركها لآخر يفعل بها الشيء نفسه؟ أليس هذا من الوضعية السيئة لكثير من النساء؟..بلى والله. إن من حق المراة أن تحمى من هذه الأحوال، وتصان من نجس هذه الاوحال الخبيثة.
إن إصلاح وضعية المرأة يجب أن نعتبره نحن المسلمين واجبا شرعيا، وليس فقط نشاطا يخدم الإنسانية؛ وكيف لا نكون كذالك ونحن نعلم أن ديننا رفع المرأة إلى منزلة سامقة، وأمر باكرامها والعناية بها، وتمتيعها بحقوقها وصيانتها من الظلم، وجعل ذلك تكليفا انيط به الثواب والعقاب، فهذا هو الباعث عندنا في قضية المرأة وإصلاح وضعيتها، أما القوم فقد غفلوا عن هذا المنطق السليم، فالباعث عندهم هو قناعتهم بتفوق التجربة الغربية وأنها شرط للتقدم والحداثة. فصلاح حال المرأة عموما والمرأة المغربية خصوصا في الشريعة الالاهية لا في التبعية الغربية، وتحسين وضعيتها إنما هو بالرجوع إلى شريعة الإسلام، لا باستيراد قوانين الغربيين.