بنكيران في ضيافة “بويا عمر”

بقلم: لحسن الجيت

من علامات الحمق إذا رأيت شخصا يرمي المارة بالحجارة فاعلم أنه قد بدأ يفقد صوابه وأن مرضا ما قد تسلل إلى عقله. ولعله الحال الذي بات يثير الشفقة على السيد عبدالإله بنكيران، الأمين العام القديم الجديد لحزب العدالة والتنمية، الذي لم يعد يستثني أي أحد في هذا البلد. كل من ليس معه ينعته بكل ما خطر في ذهنه من قدح وأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان في القبح والدناءة إلى حدود الابتذال و الإسفاف.

الرجل خرج من عقاله ولم تعد له ضوابط تحكمه. جفل وهاج كما يجفل ويهيج البعير وبدأ يفرز من شفتيه سيلانا من اللعاب غير الطبيعي. ازداد سأمه استفحالا في يوم راهن عليه كثيرا وهو يوم فاتح ماي ليترنح فيه ويتحدث فيه عن سجيته فإذا بذلك العيد، عيد العمال، انقلب عليه بعد أن صدمه واقع أليم لم يكن يتوقعه وهو الحضور الباهت للعمال المنضوين تحت النقابة التابعة لحزبه،وكذلك الغياب التام لمناضلي النقابات الأخرى. وتحت تأثير هذه الصدمة طار عقل الرجل ولربما في تلك اللحظة كره نفسه وندم على تواجده في مكان لا يحضره ولا يرأسه  مبدئيا الأمناء العامون للأحزاب، وإنما يؤول الأمر في ذلك العيد إلى رؤساء النقابات. جاء بنكيران ليصطاد فتصيد وانزلق من حيث لا يدري إلى المحظور.

ما كان يعول عليه لم يتحقق وانعكس ذلك على نفسيته وانهارت معنوياته وظهر ذلك جليا في حطاب لم يكن مستعدا له ولم يعد العدة له، أملته عليه ظروف وجد نفسه فيها، فوقع باك بنكيرانالأمين العام المحترم في المحظور.  خطاب جمع فيه القدح والسب ضد المغاربة والنقابات والتحريض على الخيارات الكبرى للدولة.

لم يسلم المغاربة من لسانه ومن سمومه التي خدشت كرامتهم وكينونة وجودهم. فلم يتردد في القول عنهم “بالحمير والمكروبات”. لم تكن تلك الأوصاف زلة لسان بل أكدها ثلاث مرات أو أربع متتالية مشددا على أنه يعي ما يقول وأنه قد وجد هذه المرة الوصف الدقيق لهم.

كيف يحق لهذا الكائن المحسوب على البشر أن يتهجم على المغاربة بهذه الوقاحة لأنهم فقط لا يشاطرون فكره الدخيل والغريب عن البيئة المغربية. فهل هذه هي الحرية والديمقراطية التي تبجح بها صاحبنا قبل أيام معدودة في مؤتمر حزبه. ما ذنب هؤلاء حتى لا يرضى عنهم عنترة بن شداد سوى أنهم لم يخرجوا في يوم عيد العمال كما كان يريدهم فضيلة الأمين العام متواجدين مترقبين طلته كي يزهو بريشه المنفوخ. اليوم تنعتهم بالحمير وعدا كيف يحق لك أن تتودد إليهم في الاستحقاق الانتخابي. لقد دمرت كل الجسور وعلى الذين هم بجوارك أن يستحضروا هذه الحقيقة بعد أن كسرت أحلامهم ولم تعد ذلك المنقذ ورجل المرحلة بالنسبة لهم. فارحل واعلم أنك غير مأسوف عليك.

زعماء النقابات العمالية لم يسلموا هم الآخرون من لسانك السليط. حلفاؤك بالأمس الذين كنت تمجد فيهم سرعان ما تحولوا في رأيك إلى سماسرة يبيعون ويشترون في الطبقة العاملة لا لشيء سوى أنهم لم يسايروا نزواتك. وإن كنت تومن بالفعل بمبدإ الحرية، كما تدعي، فهم أحرار في تحديد أدوات اشتغالهم في العمل النقابي فهم ليسوا تابعين لك حتى يكونوا رهن إشارتك بمجرد أن تضغط على جهاز التحكم. وأنا على يقين أنهم لو كانوا متواجدين في اليوم المعلوم لغيرت لهجة خطابك ولأثنيت عليهم كما كنت تفعل من قبل. فالمزاجية وأحكام اللحظة هي التي تسيرك في غياب تام للمبدإ لأنه ليس لك مبدأ تستكين وتستقر إليه.  تقول عنهم بأنهم قبضوا الثمن واغتنموا على ظهر العمال وحجتك في ذلك بيوتهم التي يسكنونها. هل هذه الوضعية جديدة عليك ولم تكن تعرف عنها شيئا حين كنت تثني عليهم. ألم تكتشف هذه الحقيقة إلا في يوم فاتح ماي. رائحتك أزكمت الأنوف. فلا تستحمر المغاربة .والمومن لا يلدغ من الجحر مرتين.

خطابك الذي أردته أن يكون شعبويا حتى تحرض المغاربة على الدولة سقط في محطة عيد العمال. ولم يكن له صدى عند عامة الناس  وكان عليك أن تلتقط الرسالة في  المنصةالتي كنت تعتليها بعين المكان. لقد دعوت القلة القليلة من الناس الذين كانوا أمامك بأن يرددوا شعارات أنصار فريقي “الرجاء و “الوداد” المناصرة للقضية الفلسطينية فلم يستجب لك أي من الحضور وأقسمت باليمين أنه ما لم يستجيبوا فستتوقف عن مواصلة خطابك. ولولا اثنان من أتبارع الحزب الذين أنقدوك من الورطة لكان يومك يوما غير مسبوق وعلامة فارقة في سلسلة من أيام الفشل والإخفاق.

المهم في هذه العملية أن دعوتك لترديد تلك الشعارات ما هي إلا دعوة تندرج في سلسلة دعوات التحريض على الخيارات الكبرى للدولة المغربية التي تعيش في سترها وظلها. مثلما ما جاء في خطابك أيضا حينما دعوت المغاربة إلى الخروج إلى الشوارع قائلا “لا تخافوا واش الدولة هي الله” . فهل أنت محمد عليه السلام. ما عاد الله.جئتنا بهذه الرسالة التي لا ترد. قولك هذا خارج السياق الديني الذي لا أساس له تخلط ما بين ما هو رباني وما بين هو دنيوي. فالدين لله والوطن للجميع. فنحن المغاربة نحب وطننا ونريد أن نحافظ عليه وحب الأوطان كما يقال من الإيمان. فلا مجال هنا للمزايدة وإرسال رسائل مبطنة.

المغاربة مسلمون يحترمون تعاليم دينهم، وهم كذلك يحترمون قرارات دولتهم على مستوى العلاقات الخارجية. فالدولة أدرى من بنكيران وغيره بما هو في صالح البلاد والعباد. ومن يعمل ضد هذه الخيارات فله حسابات تخصه والأخطر فيها انها تمس بالوطن. وليس من الصدفة أن يخرج علينا السيد بنكيران من حين لآخر بمواقف مريبة متناغمة ومتجانسة في إلحاق الضرر بالبلاد. لقد حاول بنكيران، قبل أيام معدودة، إدخال وفد من حماس إلى المغرب ليخلق أزمة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي ترى في جماعة حماس كحركة إرهابية. وقد فشل. وهو في نفس السياق يتهجم اليوم على الدول التي تساند الوحدة الترابية للمملكة. في خطابه يوم فاتح ماي أطلق العنان للسانه ضد الرئيس الفرنسي “إمانويال ماكرون”، واصفا إياه “بالمدلول”. تحت طائلة أنه لم يعلن تأييده للدولة الفلسطينية والاعتراف بها. هذا التهجم لا معنى له سوى أنه ينطوي على نية مبيتة يراد بها كذلك الإيقاع بين الرباط وباريس لجرف ما تحقق من مكتسبات بفضلدبلوماسية ملك والتي لا يرتاح لها السيد عبدالإله بنكيران . نفس الموقف المشين عبر عنه كذلك من قبل ضد من يقف الى جانب المغرب وهو الرئيس دونالد ترامب حينما هاجمه بقول بديءغزة ماشي ديال باك المغرور”. تصريح لم نسمع بمثله من أي مسؤول فلسطيني. ومن هنا نتساءل ما إذا كانت جينات هذا الرجل وحامضه النووي مغربية سيما وأنه قد اعترف لنا في خطابه الأخير بأن جدته من بلاد الشام أي من فلسطين.  وإذا عرف السبب بطل العجب.

لكل هذه الاعتبارات، يجب على قيادة حزب العدالة والتنمية أن تعلم بأن ما حل بأمينهم العام من إفلاس سياسي في أعقاب ما يعيشه الرجل من نرجسية جارفة لن يكون على الإطلاق بذلك الرجل الذي يعول عليه في المرحلة القادمة. وليعلم بنكيران وأتباعه أن نرجسيته ستعزله وسيقع في ماوقع فيه النظام الجزائري من عزلة تامة وكلما ازدادت عزلته ازدادت أخطاؤه.  لقد أحرق كل أوراقه مع المغاربة وقد آن الأوان وهم على بعد سنة من الاستحقاق الانتخابي للقيام بمراجعة موضوعية لإنقاذ الرجل من الذهاب إلى مستشفى المجانين بويا عمر ولإنقاذ الحزب من الموت المحقق والذي شرع بنكيران في نسج كفنه.

تعليقات (0)
اضافة تعليق