بمجرد أن طفت على السطح تدوينة السفيرة الفرنسية بالرباط والتي أشارت فيها إلى لقائها برئيس اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد والذي يشغل في نفس الآن منصب سفير المملكة بفرنسا، تناسلت المواقف تلو الأخرى من مختلف المشارب الاجتماعية على منصات التواصل الاجتماعي منددة ومستنكرة سلوك السيد شكيب بن موسى الذي اعتبره الجميع سلوكا لا يليق برجل مسؤول مهمته الحرص على صيانة سيادة الدولة.
والجدير ذكره أن صفحات التواصل الاجتماعي حلت محل المؤسسات الوسيطة بين الشعب والدولة في تصريف المواقف والآراء ذات الطابع العام التي ينتجها المجتمع انطلاقا من وعيه بمجريات الأمور، وما حادثة بنموسى مع السفيرة الفرنسية إلا واحدة من بين أخرى سُجّل فيها الغياب الكلي للفاعل الحزبي بصفته المسؤول عن المؤسسة الأولى التي أنيطت بلعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة سياسيا وتأطيريا وتمثيليا، ليترك الباب مشرعا أمام رجل الشارع لممارسة حريته التعبيرية بمختلف مداركه ومستوياته الثقافية والفكرية عبر الإعلام البديل الذي تمت الإشارة إليه بصفحات التواصل الاجتماعي في تجاوز صارخ لدور الأحزاب التي أصبح دورها يقتصر على الهاجس الانتخابي خدمة للأفراد على حساب المنطق المؤسساتي، ويتجسد ذلك جليا في المساجلات والمرافعات أمام أعين الكاميرات التلفزية خلال الأسئلة الشفوية، حيث يركن البرلمانيون المحترمون إلى التفنن في دغدغة مشاعر المواطنين بأسطوانات قديمة يتم تحيينها وتجديدها كلما أزكمت الأنوفَ رائحةُ الانتخابات، كما حدث يومه الأربعاء 10 يونيو خلال الجلسة المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة حول السياسات العمومية، حيث تهافت الجميع على لعب دور المعارض الشرس الذي يستحق أن يجدد له مستقبلا مع العلم أن المواطن يدرك جيدا اللعبة بتفاصيلها، ويدرك أيضا أن المعارضة والأغلبية كلمتان مترادفتان في الفعل السياسي المغربي.
إن حادثة بنموسى مع السفيرة الفرنسية عرّت الواقع الحزبي وكشفت عن ضعف هذه الأحزاب في لعب دور الوساطة الذي يكفله لها الدستور، إذ لم نسمع بموقف حزبي حيال الموضوع، بل تمّ الزجّ ببعض الشبيبات الحزبية لإصدار المواقف، فيما ظلت المكاتب السياسية للأحزاب تترقب الذي قد يأتي أو لا يأتي أمام المدّ الجارف لرأي المواطن الذي تمّ تصريفه عبر الشبكات العنكبوتية لتطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الأحزاب إذا ما استثنينا العملية الانتخابية.
إن المثير في الأمر يكمن في كون هذه الأحزاب أغلبية ومعارضة وعلى اختلاف مشاربها الايديولوجية كانت على وفاق تام في تجاهل الموضوع أولا وتجاهل رأي المواطن ثانيا، هذا الأخير الذي كان يمني النفس أن يرى نفسه ومواقفه من خلال المؤسسة الحزبية باعتبارها مؤسسة تقوم مقامه في المجالس النيابية والترابية والجماعية، إلا أن واقع الحال يسير عكس ذلك، حيث تسبح الأحزاب في فلك خارج الزمن السياسي، فيما ظلت صرخة المواطن صدى لصيحة في الوادي، وللقارئ الكريم أن يتصور الشرخ البين بين الأمرين، إذ فيما كان المواطن يدافع بشراسة عن السيادة والاستقلالية في جو من الحرية المفعم بوطنية مطلقة، كانت الأحزاب تغطّ في نوم عميق أو في صمت مخافة أشياء نجهلها؛ ومهما يكن من أمر فإن هذه الاستقالة الجماعية للأحزاب في عكس رأي المواطن على الأرض، ستكون من بين إشكالات النموذج التنموي الذي نبحث عنه في الشق الحزبي، حيث لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يستقيم إلا بأحزاب قوية تعكس رأي المواطن بجلاء وتعكس طموحاته وتترجم انتظاراته، لأن التنمية فعل يتمّ بناؤه على مبادئ السيادة والكرامة والحرية والاستقلالية وما إلى ذلك من القيم المميزة للمواطن الحديث الذي يمتلك الجرأة على تسمية الأشياء بمسمياتها وطرحها على الطاولة في نقاش مسؤول كما نعاينه على صفحات التواصل الاجتماعي.