بودن: من خلال الخطاب الملكي، فالمغرب مقبل على مرحلة الخيارات الحاسمة وفقا لثلاث محددات أساسية

بالواضح – محمد بودن(*)

لقد عودنا الملك محمد السادس على الواقعية بحيث جاء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة مترابطا مع خطابي عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب، قدم فيه جلالة الملك منظورا شاملا لمواجهة التحديات واستثمار الفرص، وانطلاقا من شعار المرحلة الذي يرتكز على قاعدتي المسؤولية والعمل الجاد يتبين أن المغرب مقبل على مرحلة الخيارات الحاسمة وفقا لثلاث محددات أساسية:

المحدد الأول: المصلحة العامة كفكرة محورية في الحياة السياسية لن تتحقق الا بتقليص التجاذبات والحسابات الضيقة بين الفرقاء وتخفيف الضغط الناشئ عن بعض الحالات الصراعية والانشغال باستحقاقات 2021 وقدم ملك في هذا الصدد عاملا مشتركا وجامعا للطيف السياسي والبرلماني يتمثل في اللباس الوطني وهي إشارة تحمل في ثناباها الكثير من الرقي والرمزية.

المحدد الثاني: خطة عملية لتقوية نسيج المنظومة التنموية وبناء نموذج تنموي يستجيب للظرفية الراهنة وما بعدها،وذلك باستحضار خلاصات القديم الثابت والمستجد الفاعل،فضلا عن توسيع نطاق بيئة إجتماعية توفر الفرص و تضمن العيش والكرامة للشباب القروي والحضري من جهة وفتح المجال امام المبادرات النوعية والكفاءات العالمية من جهة أخرى وفي تقديري يمثل هذا المحدد تطبيقا ذكيا لحماية المواطنين وتحسين نوعية الحياة وجودتها ومستواها.

المحدد الثالث: التسلح بالقيم الوطنية كالمسؤولية،العمل الجاد ،الصدق ،الالتزام،الموضوعية ،التعبئة الوطنية ،احترام القناعات والاختلافات ،العمل الجماعي والتضامن.

الخطاب الملكي يجب البناء عليه والدفع نحو تنفيذ ما جاء به خدمة للمصالح الوطنية والمشروع الوطني،وهذا من صميم مسؤولية المؤسسات الوطنية وتحديدا الحكومة والبرلمان بمجلسيه والتي يجب ان تبتكر أساليب جديدة مبنية على ثنائية القول والفعل.

ان انعكاسات حالة الاهتزاز الحكومي على المجهود الوطني واضحة، فالحكومة في حاجة لقبول شعبي أولا من أجل مباشرة أي إصلاح ولا اعتقد انها تمتلك هذا القبول في اللحظة السياسية الراهنة.

البدائل التي طرحها الخطاب الملكي لمحاربة الفوارق بين الفئات هي ما ينقصنا فعلا ولكن من يجب ان ينفذها على الأرض الواقع لينتفع منها المواطن؟ الجواب ببساطة يتمثل في الحكومة عبر سياسات عمومية تحقق نتائج ميدانية.

لكن نجاح السياسات العمومية في المجال الاجتماعي لا يقتضي توفير الموارد المالية اللازمة فقط،وإنما أيضا بناء تدابير ثقة لتعبئة المواطنين وضمان عدالة توزيعية و وضع خطة عمل توقعية لمواجهة المطالب الآنية والآجلة ولا اعتقد ان الحكومة قادرة الآن على منح جرعة من الثقة لعدد مهم من المواطنين.

نظرا لانشغال الحكومة بحالة غياب التماسك بين مكوناتها كان من الصعب ان تخرج بمشروع نموذج تنموي يجيب عن أسئلة المرحلة لذلك قرر الملك احداث لجنة خاصة لصياغة نموذج تنموي جديد وفق رؤية واضحة ومدركة للتحديات والفرص.

إن النموذج التنموي يمثل سياسة من نوع خاص تتطلب الكثير من التعبئة الوطنية وهو بمنزلة اصلاح دستوري ويجب ان يشترك فيها الطيف الوطني برمته من أجل محاصرة زحف الفوارق الاجتماعية والرفع من سرعة البلاد في طريقها نحو الصعود. اما الأحزاب السياسية فهي أمام مسارين الأول يتمثل في بناء الثقة وإعادة الأمل للشباب والنخب ودعم الكفاءات في الابتكار والتحليل للمساهمة في الدينامية الوطنية والثاني قد يجعل منها فواعل تقليدية تكرر نفسها وتمر بجانب اللحظات الوطنية المهمة، وبالتالي يجب عليها ان تتحمل مسؤوليتها وتساهم في محاصرة التحديات ومواجهتها بالحجج المقنعة والممارسة الناجعة. الخطاب الملكي وثيقة مرجعية للفاعلين المؤسساتيين والسياسيين تضمن تذكيرا بالتوجهات والأسس و تقديرا للمقترحات المتعلقة بالنموذج التنموي المنشود وجاء معبرا كذلك عن مطالب المرحلة ومقدما لطرح متميز فيما يتعلق بالبدائل المطلوب اعمالها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

(*) محلل سياسي

تعليقات (0)
اضافة تعليق