بين الهوية والتجديد.. أحمد الفاهيم “باناما” يشق طريقه في الأغنية الأمازيغية

ليست كل الأغاني التي تحقق الانتشار تصنع الأثر، وليست كل الأعمال الفنية تنجح في الحفاظ على هويتها وسط التحولات التي يعرفها المشهد الموسيقي. وبين موجة الإنتاجات التجارية، يواصل الفنان الأمازيغي أحمد الفاهيم، المعروف فنيا باسم “باناما”، بناء تجربة فنية تراهن على الكلمة الهادفة والهوية الثقافية، من خلال أعمال تستلهم الواقع الاجتماعي، وتعيد الاعتبار للأغنية الأمازيغية باعتبارها حاملا للذاكرة، ومنبرا للتعبير عن الإنسان وقضاياه.

اختار “باناما” منذ بداياته أن يسلك مسارا فنيا مختلفا، يقوم على توظيف الأغنية الأمازيغية كوسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع، بعيدا عن منطق الإنتاج الموسمي أو البحث عن الانتشار السريع. ويعتمد في أعماله على مقاربة فنية تجمع بين أصالة الموروث الموسيقي الأمازيغي والتوزيع العصري، في محاولة لتقديم أعمال تحافظ على روح الهوية، وفي الوقت نفسه تواكب التحولات التي يعرفها الذوق الموسيقي لدى الأجيال الجديدة.

وتتوزع مضامين أغاني الفنان بين قضايا إنسانية واجتماعية وثقافية، إذ تحضر فيها قيم المحبة والوفاء، وأهمية الأسرة، والارتباط بالأرض، والحنين إلى الجذور، إلى جانب تناول مواضيع الهجرة، وطموحات الشباب، والتحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية. كما يحرص على توظيف اللغة الأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية المغربية، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال الصاعدة.

ويضم رصيد أحمد الفاهيم مجموعة من الأعمال التي تعكس هذا التوجه الفني، من أبرزها “يان دار إيناس إطهلد گيس”، و”تكليت أوهوي”، و”ولين أودي يات نعيبالتي”، و”ساقساهلي گينغ”، و”توي دونيت أفكان”، و”ماشي زين أفاك ساولغ”، و”بامباري لگناوي”، و”ماخ أكمازين إيناغ ززين”، و”أسكاس أماينو”، و”مانيك أتنگيت”، إلى جانب أغنيتي “فيس” و”المغرب”، وهي أعمال تتنوع في مضامينها بين الاجتماعي والوجداني والثقافي، مع المحافظة على الخصوصية اللغوية والفنية للأغنية الأمازيغية.

ولا يقتصر المشروع الفني لـ”باناما” على تقديم أعمال غنائية فحسب، بل يقوم على رؤية تعتبر الفن وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع، والمساهمة في صون الموروث الثقافي الأمازيغي، عبر إنتاجات تحاول مخاطبة مختلف الفئات، خاصة فئة الشباب، بلغة موسيقية معاصرة لا تنفصل عن جذورها.

ويرى متابعون للشأن الفني أن الأغنية الأمازيغية تعرف خلال السنوات الأخيرة دينامية متجددة، بفضل بروز أسماء شابة اختارت الاستثمار في جودة الكلمة واللحن والتوزيع، بدل الاكتفاء بمجاراة الموجات الموسيقية العابرة. ويعد أحمد الفاهيم من بين هذه الأصوات التي تراهن على بناء تجربة فنية متوازنة، تجمع بين الأصالة والتجديد، وتمنح الأغنية الأمازيغية حضورا متجددا داخل المشهد الموسيقي المغربي.

ويواصل الفنان حاليا التحضير لعدد من الأعمال الجديدة، في إطار مشروع فني يسعى إلى توسيع دائرة انتشار الأغنية الأمازيغية، وإبرازها كرافد أساسي من روافد الثقافة الوطنية، ورسالة فنية تعكس تنوع الهوية المغربية، وتؤكد أن الموسيقى، إلى جانب بعدها الترفيهي، تظل أداة للتعبير، وحفظ الذاكرة، وتعزيز الانتماء الثقافي.

تعليقات (0)
اضافة تعليق