بالواضح – الرباط
لا تُقاس العلاقات بين الشعوب بعدد اللقاءات التي تجمع ممثليها، ولا بحجم المجاملات التي تتبادلها الوفود، بل بما تتركه من أثر في المعرفة المتبادلة، وما تفتحه من آفاق أمام الأجيال الجديدة للتعارف والتعاون. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة داتو حسن العماري بوصفها مدخلا للتأمل في موقع الثقافة داخل بناء العلاقات الدولية، وفي قدرتها على تحويل التواصل العابر إلى روابط قابلة للاستمرار.
ففي عالم تتزايد فيه أهمية المصالح الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، لا تفقد الثقافة قيمتها باعتبارها مجالا مستقلا للإبداع والتعبير، بل تكتسب وظيفة إضافية تتمثل في تقريب المجتمعات، وتجاوز الصور النمطية، وإيجاد مساحات مشتركة للحوار. وهنا تتضح أهمية المبادرات التي تجمع بين الفن والتعليم والتبادل الإنساني، بعيدا عن اختزال العلاقات الدولية في اللقاءات الرسمية وحدها.
من التعارف إلى المعرفة المتبادلة
تكشف المبادرات الثقافية المغربية المنفتحة على تجارب آسيوية، ومنها الأنشطة المرتبطة بالتعاون المغربي الصيني والكازاخستاني، عن إمكانات واسعة لا يزال المجال الثقافي يتيحها لتعميق التعارف بين المجتمعات. وقد شكلت المعارض الفنية واللقاءات الثقافية والأنشطة الجامعية بعض الواجهات التي التقت فيها تجارب مختلفة، بما يسمح بتقديم صورة عن المغرب تتجاوز الجغرافيا إلى التاريخ والقيم والإبداع.
وفي هذا الإطار، يرتبط اسم حسن العماري، رئيس الجمعية المغربية للتعاون والصداقة بين الشعوب، بمبادرات سعت إلى جعل الثقافة إحدى قنوات التواصل بين المغرب وشركائه الدوليين. غير أن أهمية هذا المسار لا ينبغي أن تتوقف عند رصد الأنشطة أو تسجيل الحضور في المناسبات، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن تحويل هذه المبادرات إلى معرفة متبادلة تستمر بعد انتهاء الفعاليات؟
فالمعرض الذي يعرّف الجمهور بفن بلد آخر يمكن أن يكون بداية لتعاون بين الفنانين، واللقاء الذي يجمع مؤسسات ثقافية قد يفتح الطريق أمام برامج مشتركة، كما يمكن للتبادل الجامعي أن يمنح العلاقات الإنسانية امتدادا يتجاوز عمر المبادرات الظرفية.
الثقافة ليست واجهة احتفالية
تتمثل إحدى الإشكالات التي تواجه العمل الثقافي الدولي في احتمال الاكتفاء بالمظاهر الاحتفالية، من دون بناء برامج تضمن استمرارية التواصل. فنجاح أي مبادرة لا يتوقف على عدد الحاضرين أو مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإنما يتصل أيضا بما تنتجه من فرص للتعلم والتعاون، وبمدى قدرتها على الوصول إلى فئات جديدة، خصوصا الشباب والطلبة والباحثين والفنانين.
ومن هذه الزاوية، تكتسب التجارب التي تجمع بين الثقافة والتعليم أهمية خاصة، لأنها تنقل العلاقة من مستوى المشاهدة إلى مستوى المشاركة. فالمجتمعات لا تتعرف بعضها إلى بعض عبر الخطابات وحدها، بل من خلال اللغة والفنون والجامعات والتجارب اليومية التي تتيح اكتشاف أوجه الاختلاف ومناطق الالتقاء.
ولعل الرهان الأساسي أمام المبادرات التي يعمل عليها فاعلون جمعويون، من بينهم حسن العماري، هو ترسيخ هذا الانتقال من تنظيم المناسبات إلى بناء مسارات تعاون واضحة، تتحدد فيها الأهداف والنتائج المنتظرة، وتتاح فيها إمكانية تقييم الأثر بدل الاكتفاء بتوثيق الأنشطة.
المغرب ورصيد الانفتاح الحضاري
يمتلك المغرب رصيدا تاريخيا وثقافيا متنوعا يتيح له الانخراط في حوار واسع مع محيطه الدولي. ولا تقتصر أهمية هذا الرصيد على تقديم صورة عن الماضي، بل تكمن أيضا في القدرة على توظيفه في بناء شراكات معاصرة تقوم على الاحترام المتبادل وتبادل الخبرات.
وتزداد أهمية هذا التوجه عندما يتعلق الأمر بمناطق لا تحظى دائما بالقدر نفسه من الاهتمام في التداول الثقافي والإعلامي المغربي، رغم ما تتيحه من فرص للتعاون الأكاديمي والفني والاقتصادي. فالتعرف إلى تجارب بلدان آسيا الوسطى وشرق آسيا، مثلا، لا ينبغي أن يظل مرتبطا بالمناسبات الدبلوماسية، بل يمكن أن يتحول إلى مسار أوسع للتبادل المعرفي واستكشاف التجارب الفنية والعلمية.
ومن شأن الجمعيات والمؤسسات الثقافية أن تضطلع بدور مساعد في هذا المجال، عبر خلق فضاءات للتواصل وتيسير المبادرات المشتركة، مع الحفاظ على التمييز بين أدوار المجتمع المدني والاختصاصات الرسمية للدولة في تدبير علاقاتها الخارجية.
الرهان الحقيقي هو ما يبقى بعد اللقاء
إن القيمة المضافة لأي تجربة في مجال التواصل بين الشعوب تظهر، في نهاية المطاف، في قدرتها على ترك أثر يتجاوز المناسبة التي أطلقتها. وهذا يقتضي الانتقال من منطق الأنشطة المنفصلة إلى تصور يربط الثقافة بالتكوين، والفن بالتبادل، والتعارف بإنتاج معرفة متبادلة قابلة للتراكم.
وبالنسبة إلى تجربة حسن العماري، فإن هذا السؤال يفتح أفقا مختلفا عن الاكتفاء باستعراض مساره أو تعداد محطات حضوره الدولي؛ إذ يضع التجربة أمام معيار عملي يتمثل في مدى قدرة المبادرات الثقافية على إنتاج تعاون مستدام، وإشراك فئات جديدة، وتحويل العلاقات الشخصية والمؤسساتية إلى فرص ملموسة للتواصل والإبداع.
فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى في يوم واحد، ولا يكفي أن تلتقي الثقافات حتى تتعارف بالمعنى العميق للكلمة. إنها تحتاج إلى الاستمرارية، وإلى برامج تتيح للناس أن يتعلموا من بعضهم بعضا، وإلى مؤسسات تجعل من الانفتاح ممارسة متواصلة لا مجرد شعار.
وعند هذا المستوى، تصبح الثقافة أكثر من لغة للتقارب؛ إنها استثمار في المستقبل، وتظل قيمتها الحقيقية فيما تتركه من معرفة وثقة وفرص للأجيال القادمة.