حكومة رياح شرقية غربية إلى جنوبية أحيانا!

بقلم: طارق البياري

يبدو أن حلم المواطن المغربي بالحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية صار بعد هاته السنوات الأخيرة وزلازلها يشبه حلم إبليس بالجنة، فهذا المواطن مقدر له أن يعيش قلة الراحة والحرمان من أبسط الحقوق والعيش تحت سيف الفقر والمعاناة وتصريف ثروات بلاده لجهات معينة ومحددة دون رقيب أو حسيب، فمن يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ وكيف تكون الرقابة بالعين التي فقدت البصر وأصحابها فقدوا البصيرة؟ وكيف يكون الحساب بالعزل إن كان مرتبطا أساسا بعزل مسؤول من منصبه وتعويضه بآخر؟

فكلما لاح في الأفق شعاع نور وأمل خطفته أيدي هؤلاء المسؤولين وهضمته وحولت حياة الشعب ليلا دامسا حالك السواد إما بقرار أو فعل أو حتى قول، فمسؤولونا ووزراؤنا الميامين سواء المنتهية ولايتهم أو الحاليين قد اشتهروا بفضائحهم وزلات ألسنتهم أكثر مما عرفوا بأعمالهم وقراراتهم.

فحينما تعتبر وزيرة مغربية معاشها الذي يفوق مليون ونصف ومعاش البرلمانيين الذي يتجاوز النصف مليون عبارة عن “جوج فرنك” فتلك طامة كبرى، وحينما تعتبر وزيرة أخرى أن من يتقاضى عشرين درهما في اليوم فهو خارج عتبة الفقر بمعنى أدق من الطبقة الميسورة إن صح التعبير حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط فتلكم طامة أكبر منها.

فمن الذي مسخ هؤلاء الوزراء والمسؤولين كي يمارسوا الدعارة بالكلمات والتجديف بهكذا مواضيع ليهضروا الحق كله والمنطق كله تذللا لأصحاب نعمتهم؟

وكيف انزلقوا إلى هذا المنزلق المشين  من دفاع عن الشعب والطبقة المطحونة منه أيام الإنتخابات إلى سلاح في وجه الشعب حين تقلدوا المسؤوليات؟

وكيف يسوغ لهم أن يذلوا أنفسهم فلا يروا إلا بعيني المؤسسات التابعة للدولة التي أنهكت جيب هذا الشعب وهدمت منظومة القيم بإخضاع التعليم والصحة والحاجيات الأساسية لمنطق السوق والرأسمالية المتوحشة في مجتمع مجهل من طرف مراحيضنا الإعلامية ومفتقر لأبسط شروط العيش الكريم والغارق في أوحال العطالة والتهميش والإقصاء بفضل السياسة الريعية المنتهجة من طرف هؤلاء المسؤولين المتخفين وراء الشعارات الوطنية الزائفة.

فإن كان ما قالته سيدتهم الوزيرة هو عبارة عن لغة أرقام للمندوبية السامية للتخطيط كما بررته فطريق النزاهة والصدق والواقعية يقتضي منها قول الحق لا سرد الأخبار والتقارير البعيدة كل البعد عن الواقع مادامت وزيرة معنية بهذا الإحصاء المستخف بعقولنا، وإلا كيف نفسر احتلال المغرب لرتبة أسفل السافلين في مؤشر التنمية البشرية والصحة والتعليم والنزاهة والقضاء واعتلاء عرش امبراطورية الرشوة والمحسوبية حسب إحصائيات الأمم المتحدة !

فمن يقرأ دون تمعن ويسرد دون إحساس بشعور المواطن ويستدل بإحصائيات مغيبة للواقع فمكانه حجرة التدريس ليتعلم لكرسي وزارة ليقرر أو يبرر لأن هذا الشعب وبكل اختصار ليس بحاجة لمن يذكره بأرقام المندوبية السامية للتخطيط بقدر ما هو بحاجة لمن يدافع عنه ويقف بجانبه ويحس بمعاناته وينصفه ممن ظلمه ونهب قوته وأهدر ثروته، فهو ليس بحاجة للمساعدات الخيرية أو العمليات الإحسانية بقدر ما هو بحاجة لإستغلال ثروات وطنه بشكل عادل والقطع مع الريع وسياسة التفضيل وتمكينه من حقوقه الأساسية من صحة وتعليم وشغل وعيش كريم.

فلست شغوفا بجلد ضمير هؤلاء المسؤولين إن كان لهم ضمير ولا أنا شغوف بتعذيب نفسي، فيعلم الله كم أتألم مما أراه اليوم يحدث لهذا الوطن وما يعانيه فقراؤه وبسطاؤه من الشعب، فكيف لا أتألم ولا يشتعل الأسى بين جوانحي جمرا يتأجج عندما أرى مسؤولي هذه الدولة يعطون قيمة لفضلات مؤخرات نواب الأمة أكثر مما يعطوه لعقول “ولاد الشعب“.

فحينما نعيش في سجن أو معتقل فلن نستغرب أن يقنعوننا جلادوه بأن هذا السجن هو وطن الكرامة والأمان وأنهم هم مسؤولو هذا الوطن، ولن نستغرب حينما نرى ذاك المواطن يقتات من المزابل والآخر يفترش في العراء التراب ولا يجد في مسؤولي وطنه حتى رحمة الغرب بالكلاب، نعم لن نستغرب أبدا مادمنا نعامل كعبيد وهم دائما رؤوس القوم والأسياد.

فإن غاب عن هؤلاء المسؤولين أن مثل هاته الخرجات البهلوانية والسياسة التملقية التي ينتهجونها من تصريحات مغيبة للواقع ما هي إلا إهانة وتبخيس لعقل المواطن المطحون، فلا ينبغي أن يغيب عنهم أن إهانة هذا المواطن وتهميشه وتفقيره بشكل مستمر هو المشهد الأكيد الذي يسبق شرارة كل ثورة أو حراك دائما.

فلا أحسن الله عزاء هؤلاء في مصاب هذا الوطن وأحسن الله عزاء كل حر رضع من ثدي العز والحرية والكرامة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق