بقلم: عمر المصادي
في زمن أصبح فيه رهان التنمية البشرية من أولويات الدول الساعية إلى النهوض الإجتماعي والإقتصادي، تبرز تجارب ناجحة وأخرى متعثرة في العالم العربي، من بين أبرز هذه التجارب، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالمملكة المغربية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في 2005، والتي باتت نموذجا يحتذى به على مستوى القارة الإفريقية.
في المقابل، حاولت الجزائر أن تسير على نفس النهج على غرار المملكة المغربية، مستلهمة النموذج المغربي، غير أن النتيجة لم تكن في مستوى الطموحات، ما يطرح أسئلة جوهرية حول أسباب الإخفاق، وفوارق التجربتين، والسبيل إلى إصلاح المسار.
لا يمكن الحديث عن التنمية البشرية في شمال إفريقيا دون التوقف عند التجربة المغربية التي اتخذت منحى مغايرا لما هو معتاد في السياسات التنموية، فقد ارتكزت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على أسس واضحة، أهمها:
– محاربة الفقر والإقصاء الإجتماعي.
– تمكين الفئات الهشة.
– إطلاق مشاريع مدرة للدخل ومحدثة لفرص الشغل…
– إشراك المجتمع المدني والساكنة المحلية في اتخاذ القرار.
وقد عرفت هذه المبادرة دينامية قوية منذ انطلاقتها، وشهدت تطورا مرحليا، إذ انتقلت من التدخلات الإجتماعية البسيطة إلى التركيز على تنمية الرأسمال البشري، خصوصا في مرحلتها الثالثة.
وبعد النجاح البارز للمبادرة المغربية، بادرت الجزائر إلى إطلاق مشاريع تنموية محلية بهدف تحسين الوضع الإجتماعي في عدد من المناطق، خاصة في الجنوب والهضاب العليا.
لكن، وبحسب تقارير خبراء ومتابعين، فإن هذه المحاولات لم ترق إلى مستوى مبادرة وطنية متكاملة، بسبب مجموعة من الإختلالات والعوائق، من أبرزها:
– غياب إطار استراتيجي شامل:
على عكس المغرب، لم تعتمد الجزائر على خارطة طريق موحدة توجه جهود التنمية البشرية، بل كانت المشاريع متناثرة وغير مترابطة.
– الفساد والبيروقراطية:
عانت المشاريع من تدخلات إدارية مفرطة وتأخر في التنفيذ، إضافة إلى غياب الشفافية في تدبير الموارد.
– تهميش دور المجتمع المدني:
لم يمنح للفاعلين المحليين والمجتمع المدني الدور المركزي الذي يستحقونه في إنجاح السياسات العمومية.
– انعدام آليات التقييم والمحاسبة:
لم يتم وضع آلية فعالة لتتبع نتائج المشاريع وقياس أثرها على الفئات المستهدفة.
فإذا كانت المملكة المغربية قد نجحت في بناء نموذج تنموي بشهادة شركاء دوليين مثل البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فإن الجزائر ما زالت تبحث عن معادلة فعالة للتنمية البشرية.
ويجمع المراقبون على أن الفارق لا يكمن فقط في توفر التمويل أو الإمكانيات، بل في نمط التدبير الحكامة والوضوح في الرؤية، ومدى إشراك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني.
ففي المغرب، مثلا، تم تنزيل المبادرة على أساس مقاربة تشاركية تعتمد على الإستماع للمواطن، وتحليل حاجياته، وتنفيذ مشاريع تنبثق من الواقع المحلي. أما في الحالة الجزائرية، فقد طغى على العملية طابع مركزي، دون تكييف حقيقي مع الواقع المجتمعي المتنوع.
إلا أنه رغم التعثر، ما زالت الفرصة قائمة أمام الجزائر لتصحيح المسار. فالتنمية البشرية ليست برنامجا ظرفيا، بل مسار طويل يتطلب التزاما سياسيا، ومحاسبة، ورؤية واضحة.
ولعل من المفيد اليوم أن تعيد الجزائر النظر في منهجية عملها، وتستلهم فعلا – لا قولا فقط – من التجارب المجاورة، خاصة التجربة المغربية، شريطة أن يتم تكييفها مع الخصوصيات المحلية، وبإرادة حقيقية للقطع مع الممارسات القديمة التي أضعفت ثقة المواطن في البرامج التنموية.
إن محاولة الجزائر إطلاق مشروع شبيه بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية المغربية كانت تحمل نوايا طيبة، لكنها افتقدت لأدوات النجاح. الفارق بين النوايا والنتائج يتمثل في الحكامة، والمساءلة، والشراكة مع المواطن.
فهل تعود الجزائر إلى الطريق الصحيح وتمنح الإنسان المكانة التي يستحقها في صلب التنمية؟ أم تبقى مشاريع التنمية حبيسة الشعارات؟
الجواب، كما يقول الواقع، يكمن في الفعل لا في الخطاب.