بقلم: عمر المصادي
لا تزال الصورة النمطية المرتبطة بموظفي جهاز الداخلية حبيسة تصورات تقليدية تختزلهم في أدوار تنفيذية صارمة، وتربطهم فقط بمفاهيم السلطة والإنضباط والمخالفة، غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يعكس الواقع الكامل ولا ينصف آلاف الكفاءات التي تشتغل داخل هذا الجهاز الحيوي.
فجهاز الداخلية، شأنه شأن باقي مؤسسات الدولة، يضم موارد بشرية متنوعة الخلفيات والإهتمامات والتكوينات، بين صفوفه نجد مثقفين، باحثين، كتابا، شعراء، فنانين، موسيقيين، رسامين، ومبدعين في مجالات متعددة.
بعضهم أصدر مؤلفات أدبية، وبعضهم يساهمون في مبادرات اجتماعية وتطوعية تعزز حضورهم الإنساني داخل المجتمع.
إن اختزال رجل أو امرأة الداخلية في البذلة الرسمية أو المدنية، يغفل جانبا أساسيا من شخصيتهم الإنسانية. فهم، قبل كل شيء، مواطنون يعيشون نفس التحولات الإجتماعية والثقافية، ويحملون نفس الطموحات، ويواجهون نفس التحديات اليومية التي يعيشها باقي أفراد المجتمع، بل إن طبيعة عملهم، بما تحمله من ضغط ومسؤولية، تجعل من الإبداع والثقافة متنفسا مشروعا وضروريا يعزز التوازن النفسي والمهني.
تغيير الصورة النمطية لا يعني تلميع الواقع أو إنكار الإكراهات، بل يعني التعامل بموضوعية مع مؤسسة تضم طاقات متعددة، وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في تقديم نماذج إيجابية ومتوازنة، بعيدا عن الإثارة أو التعميم، كما تبرز مسؤولية المجتمع في تجاوز الأحكام المسبقة والنظر بعين الإنصاف إلى مختلف مكونات هذا الجهاز.
وفي هذا السياق، يبدو أن الأوان قد حان لأن تفتح وزارة الداخلية فضاءات أوسع أمام موظفيها لإبراز طاقاتهم ومواهبهم الإبداعية، سواء من خلال دعم مشاركاتهم في التظاهرات الثقافية والفنية، أو تنظيم مبادرات داخلية تعنى بالأدب والفن والموسيقى، أو تخصيص منصات تواصل تعرف بإبداعاتهم.
فتمكين هذه الكفاءات من التعبير عن ذواتها لا يعد ترفا، بل هو استثمار حقيقي في الرأسمال البشري للمؤسسة، كما أن تشجيع هذه الطاقات من شأنه أن يسهم في تغيير الصورة النمطية السائدة، ويعكس الوجه الإنساني والثقافي لجهاز الداخلية، بما يعزز الثقة ويقوي جسور التواصل مع المجتمع.
إن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يمر، بالضرورة، عبر إعادة بناء التصورات، فكلما اتسعت زاوية الرؤية، وابتعدنا عن الأحكام المسبقة، اقتربنا من فهم أكثر عمقا وإنصافا.
لقد آن الأوان لأن نرى موظف الداخلية في صورته الكاملة: مهني يؤدي واجبه وفق القانون، وإنسان يحمل ثقافة وموهبة وحسا إبداعيا، فالمؤسسات لا تبنى فقط بالقوانين، بل أيضا بالعنصر البشري الذي يمنحها روحها وحيويتها.