داتو حسن عماري.. من المناصب الحكومية السامية إلى هندسة الدبلوماسية الموازية بين المغرب وآسيا

بالواضح – الرباط

ليس داتو حسن عماري اسماً عابراً في المشهد المغربي للدبلوماسية الموازية؛ فالرجل راكم، على امتداد سنوات، مساراً مهنياً في الإدارة العليا والعمل الدبلوماسي والبروتوكولي، قبل أن ينتقل إلى واجهة المجتمع المدني الدولي، حاملاً معه شبكة من العلاقات التي جعلها مدخلاً لتعزيز حضور المغرب، خصوصاً في آسيا.

يشغل عماري رئاسة الجمعية المغربية للتعاون والصداقة بين الشعوب (AMCAP)، التي تأسست في 16 يناير 2015، واختارت منذ بدايتها الاشتغال على بناء جسور التعاون بين المغرب وعدد من الدول، وفي مقدمتها ماليزيا وكازاخستان والصين وأوكرانيا وغيرها. ويقول عماري إن فكرة تأسيس الجمعية جاءت امتداداً لتجربته الطويلة في تقلد مناصب حكومية سامية، وللعلاقات الدولية التي نسجها خلال مساره المهني، مؤكداً أن هدفه كان توظيف هذه الخبرة لخدمة بلده ودعم الدبلوماسية الرسمية عبر بوابة المجتمع المدني.

من الإدارة إلى الدبلوماسية الموازية

قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً بالجمعية وبالتحركات الدولية التي تقوم بها، راكم حسن عماري تجربة مهنية داخل دواليب الدولة، شملت مسؤوليات في محيط العمل الحكومي، من بينها توليه رئاسة ديوان لدى عدد من الوزراء المغاربة، إلى جانب خبرة في المجالين الدبلوماسي والبروتوكولي. وقد شكلت هذه التجربة، بما راكمته من معرفة بالعمل المؤسساتي وشبكة من العلاقات، أرضية لانخراطه لاحقاً في مجال الدبلوماسية الموازية.

هذه الخلفية تفسر، إلى حد كبير، طبيعة النشاط الذي اختاره لاحقاً؛ إذ لا يقدم عماري العمل الجمعوي باعتباره نشاطاً منفصلاً عن الدبلوماسية، بل يراه قناة موازية قادرة على الوصول إلى النخب وصناع القرار والرأي العام في البلدان الأخرى، وعلى تحويل العلاقات الشخصية والثقافية إلى مشاريع تعاون ملموسة.

ماليزيا.. المحطة التي صنعت الاسم

تبدو ماليزيا أبرز محطات تجربة حسن عماري الدولية. فمنذ تأسيس الجمعية، عمل على تطوير علاقات متعددة المستويات مع المؤسسات الماليزية، خصوصاً في التعليم العالي والثقافة والتبادل الطلابي.

وبحسب المعطيات التي قدمها عماري نفسه، أبرمت الجمعية قرابة 12 اتفاقية شراكة وتعاون مع الجانب الماليزي، همّت أساساً التعليم العالي وتكوين الطلبة الماليزيين في الجامعات المغربية، ومن بينها جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة القرويين. كما ساهمت هذه الدينامية في إنشاء كرسي الإمام أحمد بن إدريس للدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، باعتباره جسراً أكاديمياً وثقافياً بين المغرب وماليزيا.

ولم تتوقف العلاقات عند المجال الأكاديمي؛ فقد امتدت إلى الثقافة والفنون والزيارات المتبادلة والأنشطة التي تجمع الجاليتين والطلبة، وصولاً إلى مبادرات رياضية وثقافية اعتبرها عماري جزءاً من «الدبلوماسية الموازية».

لقب «داتو».. تكريم ماليزي ذو دلالة

في سنة 2019، بلغ المسار الماليزي لعماري محطة لافتة، عندما منحه سلطان ولاية نِغيري سمبيلان الماليزية، توانكو مظهر ابن المرحوم توانكو منور، رتبة Dato’ Paduka Negeri Sembilan (DPNS).

وتؤكد الجريدة الرسمية لولاية نِغيري سمبيلان إدراج اسم Dr. Hassan Ammari ضمن الحاصلين على هذه الرتبة سنة 2019، كما نقلت وكالة Bernama وصحف ماليزية أن التكريم شمل آنذاك ثلاثة أسماء بارزة، من بينها أمين عام وزارة العلاقات مع البرلمان المغربية حسن عماري.

ويعتبر عماري أن هذا التكريم لا يخص شخصه فقط، بل يمثل، في نظره، تقديراً للمغرب وللمجهودات المبذولة في تقريب الشعبين المغربي والماليزي. ومنذ ذلك الحين أصبح اسم «داتو» ملازماً لاسمه في عدد من الفعاليات والأنشطة الدولية.

الجامعة بوابة أخرى للعلاقات الدولية

أحد أبرز رهانات عماري يتمثل في تحويل العلاقات الدولية إلى تعاون أكاديمي مستدام. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في علاقته بجامعة محمد الخامس والجامعات والمؤسسات الماليزية.

وفي شتنبر 2022، حضر عماري حفل تخرج دفعة من الطلبة الماليزيين بجامعة محمد الخامس، بصفته رئيس كرسي الإمام أحمد بن إدريس، في مناسبة حضرها مسؤولون دبلوماسيون وأكاديميون من المغرب وماليزيا وبروناي.

وفي السنوات الأخيرة، اتسع هذا المسار ليشمل آسيا الوسطى. ففي ماي 2026، استقبل رئيس جامعة الفارابي الوطنية الكازاخستانية حسن عماري، حيث بحث الطرفان تعزيز العلاقات الثقافية والإنسانية وتوسيع التعاون في التعليم والعلوم، وانتهى اللقاء بتوقيع مذكرة تفاهم لتطوير الشراكة.

من ماليزيا إلى كازاخستان وأذربيجان

لم يعد نشاط عماري محصوراً في العلاقة المغربية الماليزية. فقد أصبح حاضراً في مساحات التعاون مع دول آسيا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ، خصوصاً كازاخستان وأذربيجان.

وفي 2025، تحدث عماري في مقابلة مع وكالة الأنباء الأذربيجانية AZERTAC عن العلاقات المغربية الأذربيجانية، مؤكداً أن هذه العلاقات تعيش مرحلة من التطور، وذلك خلال مناسبة نظمتها سفارة أذربيجان في الرباط.

وفي أبريل 2026، ظهر إلى جانب وفد دبلوماسي يمثل عدداً من دول آسيا والمحيط الهادئ خلال زيارة لمجموعة مغربية متخصصة في صناعة المجوهرات بالدار البيضاء، في مبادرة هدفت إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية بين المغرب وهذه المنطقة.

كما استمر حضوره في الفضاء الأكاديمي الكازاخستاني؛ ففي ماي 2026، التقى برئيس جامعة الفارابي الوطنية في ألماتي، وناقشا توسيع التعاون الجامعي والعلمي بين المغرب وكازاخستان.

الثقافة والفن.. وجه آخر للمسار

إلى جانب التعليم والدبلوماسية الموازية، يحضر الفن والثقافة بقوة في نشاط عماري. فقد ارتبط اسمه بتنظيم واستضافة فعاليات ثقافية دولية في الرباط، من بينها أنشطة مرتبطة بالصين وكازاخستان وغيرها.

وفي 2022، احتضنت قاعة الفنون الجميلة بالرباط معرضاً صينياً مغربياً نظمته الجمعية المغربية للتعاون والصداقة بين الشعوب، بحضور السفير الصيني، تحت إشراف رئيس الجمعية.

كما تصفه مصادر صحفية بأنه من هواة الفن، وهو ما ينسجم مع اختياره الثقافة والفنون كأحد مداخل بناء العلاقات بين الشعوب، إلى جانب التعليم والرياضة والتبادل الطلابي.

الرياضة كأداة للدبلوماسية

حتى الرياضة دخلت ضمن أدوات عماري في بناء جسور التواصل. فقد شاركت الجمعية في تنظيم أنشطة رياضية جمعت طلبة مغاربة وآسيويين، واعتبر عماري هذه المبادرات فرصة لتقوية الروابط الإنسانية والثقافية، خصوصاً بين الطلبة المغاربة والماليزين والصينيين وغيرهم.

وفي 2026، ظل هذا الحضور قائماً من خلال أنشطة رياضية جمعت طلبة مغاربة وماليزين في الرباط، في إطار تعزيز العلاقات الأكاديمية والأخوية بين البلدين.

مسار يتجاوز الجمعية

ما يميز تجربة حسن عماري أن الجمعية التي يرأسها تحولت، بالنسبة إليه، إلى منصة متعددة الوظائف: ثقافية وأكاديمية ورياضية واقتصادية، لكنها تلتقي جميعاً عند هدف واحد هو بناء العلاقات بين المغرب وشركائه الدوليين من خارج القنوات الدبلوماسية الرسمية.

وفي هذا السياق، لا يقدم عماري نفسه بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، بل داعماً لها. وهو يكرر في خطاباته أن المجتمع المدني يستطيع الوصول إلى الرأي العام والنخب المحلية في البلدان الأخرى، وأن هذا الحضور يمكن أن يخدم صورة المغرب ومصالحه.

رجل العلاقات أكثر من رجل الشعارات

لعل أهم ما يمكن استخلاصه من مسار داتو حسن عماري هو أن مشروعه لم يُبنَ على نشاط جمعوي تقليدي، وإنما على توظيف الخبرة الإدارية والعلاقات الدولية والعمل الثقافي والأكاديمي في اتجاه واحد.

من الإدارة العليا والعمل الدبلوماسي والبروتوكولي، إلى تأسيس جمعية للتعاون والصداقة بين الشعوب، ثم إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات في ماليزيا وآسيا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ، اختار عماري أن يجعل من «الدبلوماسية الموازية» عنواناً لمساره.

واليوم، وبعد أكثر من عقد على تأسيس الجمعية، أصبح حضوره مرتبطاً بشكل خاص بالفضاء الآسيوي؛ من كوالالمبور إلى أستانا، ومن الجامعات إلى السفارات، ومن الثقافة والفن إلى الرياضة والاقتصاد. وهو ما يجعل تجربته واحدة من النماذج المغربية اللافتة في محاولة تحويل العلاقات الإنسانية والثقافية إلى أدوات للتقارب بين الدول والشعوب.

تعليقات (0)
اضافة تعليق