من تطوان بدأت الحكاية
في المشهد السياسي المغربي، لا تُقاس قيمة رجل الدولة بعدد المناصب التي مرّ منها فحسب، وإنما بما يتركه تراكم التجربة من قدرة على الفهم والتدبير، وعلى الانتقال من موقع إلى آخر دون أن يفقد البوصلة. ومن هذه الزاوية، يبرز اسم راشيد الطالبي العلمي باعتباره واحداً من السياسيين الذين راكموا مساراً طويلاً في الإدارة والسياسة والعمل البرلماني، حتى أصبح حضوره مرتبطاً بصورة رجل المؤسسات والخبرة المتراكمة.
وُلد راشيد الطالبي العلمي سنة 1958 بمدينة تطوان، ومنها انطلقت مسيرة ستقوده، على امتداد عقود، من تدبير الشأن المحلي إلى مواقع المسؤولية الحكومية، ثم إلى قمة المؤسسة التشريعية.
حين سبقت المعرفةُ السياسة
اختار الطالبي العلمي، منذ وقت مبكر، أن يجعل من المعرفة والتكوين رافداً للعمل العام. فقد تابع دراسته بجامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن يتوجه إلى الولايات المتحدة حيث حصل على دكتوراه في التدبير والمالية، بتخصص في المالية المحلية، من جامعة نيويورك.
كما اشتغل خبيراً دولياً في اللامركزية والأنظمة المالية المحلية لدى الوكالة الأمريكية للتنمية، وهي تجربة مهنية منحت مساره بعداً تقنياً يتجاوز الممارسة السياسية التقليدية.
من الجماعة إلى فضاء القرار
لم تكن البداية من أعلى هرم المسؤولية. فقد انتُخب سنة 1992 عضواً ثم نائباً لرئيس الجماعة الحضرية سيدي المنضري بتطوان، قبل أن يتدرج في مسؤوليات أخرى مرتبطة بالشأن المحلي.
ومن هذه البوابة، اقترب الطالبي العلمي من تفاصيل الإدارة والمالية والحياة اليومية للمدينة، وهي تجربة ستصبح لاحقاً جزءاً من تكوينه السياسي والمؤسساتي.
من تدبير الاقتصاد إلى الحكومة
مع انتقاله إلى المجال الوطني، أخذ المسار منحى أكثر اتساعاً. فقد تولى حقيبة الصناعة والتجارة والاتصالات بين 2002 و2004، ثم منصب الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة بين 2004 و2007.
كانت تلك محطة كشفت عن انتقال الرجل من تدبير الشأن المحلي إلى الاشتغال على ملفات اقتصادية وسياسات عمومية ذات نطاق وطني.
الجهة.. اختبار آخر في مدرسة التدبير
في سنة 2009، انتُخب رئيساً لمجلس جهة طنجة-تطوان، وأعيد انتخابه سنة 2012.
وكانت رئاسة الجهة محطة أخرى في مساره، أتاحت له العودة إلى المجال الترابي من موقع أكثر اتساعاً، وربط التجربة المحلية بالرهانات التنموية والسياسية والإدارية الكبرى.
إلى رئاسة مجلس النواب
في سنة 2014، وصل الطالبي العلمي إلى رئاسة مجلس النواب لأول مرة، قبل أن يعود إلى المنصب نفسه سنة 2021.
وفي 9 أكتوبر 2021، انتُخب رئيساً للمجلس في بداية الولاية التشريعية الحادية عشرة، ليصبح اسمه بذلك مرتبطاً بواحدة من أهم المؤسسات الدستورية في البلاد.
حضور يتجاوز الحدود
لم يتوقف المسار عند حدود المؤسسات الوطنية. ففي 2 نونبر 2014، انتُخب الطالبي العلمي رئيساً للاتحاد البرلماني الإفريقي، في محطة عكست امتداد تجربته إلى الفضاء البرلماني القاري.
كما تولى بين 2017 و2019 مسؤولية وزارة الشباب والرياضة، مضيفاً إلى رصيده تجربة حكومية في قطاع يرتبط مباشرة بالشباب والسياسات الاجتماعية والرياضية.
رجل المؤسسات.. قبل أن يكون رجل المناصب
ربما تكمن خصوصية تجربة الطالبي العلمي في تنوع محطاتها أكثر من عددها: خبير في التدبير والمالية، فاعل في الشأن المحلي، رئيس جهة، وزير، برلماني، ثم رئيس لمجلس النواب ورئيس لهيئة برلمانية إفريقية.
إنها تركيبة تجعل مساره أقرب إلى تجربة تراكمية، لا إلى صعود ظرفي.
رئاسة البرلمان.. حيث تختبر الخبرة
رئاسة مجلس النواب ليست مجرد موقع بروتوكولي؛ إنها مسؤولية ترتبط بتدبير مؤسسة دستورية مركزية، والإشراف على أشغالها وأجهزتها وتمثيلها في العلاقات البرلمانية الوطنية والدولية.
ومن هذه الزاوية، تبدو الخلفية المتنوعة للطالبي العلمي رصيداً مهماً في ممارسة هذه المسؤولية، بعدما جمع بين التجربة الحكومية والتدبير الترابي والمعرفة بالعمل البرلماني.
ثلاثية تصنع المسار: المعرفة والتجربة والمؤسسة
عند قراءة مساره بعيداً عن الاصطفافات السياسية، تبرز ثلاثية واضحة: المعرفة، والتجربة، والمؤسسات.
فالرجل لم يصل إلى رئاسة المؤسسة التشريعية من فراغ، بل حمل معه تجربة الإدارة المحلية، وخبرة الاقتصاد والمالية، وممارسة العمل الحكومي، ومعرفة بآليات العمل البرلماني.
مسار طويل في قلب الحياة العامة
قد تختلف القراءات السياسية حول الطالبي العلمي، كما هو شأن كل شخصية توجد في قلب الحياة العامة، لكن قراءة المسار بمعزل عن المواقف الآنية تضع أمامنا حقيقة واضحة: نحن أمام شخصية راكمت تجربة مؤسساتية وسياسية طويلة، وجمعت بين التكوين الأكاديمي والخبرة التنفيذية والممارسة البرلمانية والتدبير الترابي.
وفي السياسة، حيث يكون الاستمرار رهيناً بالقدرة على فهم تحولات المؤسسات والمجتمع، فإن امتلاك مثل هذا الرصيد من التجربة يتحول إلى رأسمال سياسي ومؤسساتي.
من تفاصيل المدينة إلى صدارة المؤسسة
تلك، في النهاية، قصة راشيد الطالبي العلمي: رجل بدأ من تفاصيل المدينة، وعبر دروب التدبير والاقتصاد والحكومة والجهات والبرلمان، ليصل إلى موقع أصبح فيه جزءاً من ذاكرة المؤسسة التشريعية المغربية وحاضرها.
مسار طويل تختصره عبارة واحدة: تجربة صنعتها المحطات، ورسختها المؤسسات.