غيب الموت أحد أبرز رجالات الفكر والعلم في المغرب، بوفاة الدكتور محمد الأمين الإسماعيلي، الأستاذ الجامعي المعروف، الذي شغل كرسي “العقيدة” بجامعة محمد الخامس بالرباط، وترك بصمة راسخة في الحقل الديني والثقافي الوطني، من خلال مسيرته العلمية الطويلة، وإسهاماته المتميزة في ترسيخ قيم المعرفة، والحوار، والمسؤولية في تدبير الشأن الديني.
الفقيد لم يكن مجرد أكاديمي عابر في المؤسسة الجامعية، بل كان ركيزة من ركائزها، وقامة علمية تجمع بين التكوين الراسخ، والنظر العميق، وحضور فكري باذخ، انعكس في تدريسه وتأطيره وتكوينه لأجيال من الباحثين وطلبة العلم.
وقد شغل الدكتور محمد الأمين الإسماعيلي منصب مدير ديوان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأسبق الدكتور أحمد رمزي، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي حظي بها، وجمعه بين الكفاءة العلمية والخبرة التدبيرية. كما عُرف بإسهاماته المتميزة في إحياء فن المناظرة الفكرية، وإغنائه لحقل الدراسات العقدية من خلال محاضراته وتدريسه وتكوينه للأجيال، مما جعله أحد أبرز الأصوات العلمية التي واكبت قضايا الفكر الديني بروح مسؤولة ومنفتحة.
هذا وقد ظل الدكتور الإسماعيلي، رحمه الله، من الأصوات الرصينة التي تؤمن بأن العلم رسالة، وأن وظيفة الجامعة لا تقف عند حدود تلقين المعارف، بل تتجاوزها إلى غرس روح النقد، ومهارات البيان، وأدب الاختلاف، وهو ما جسده من خلال دروسه الجامعية، ومحاضراته العامة، وطلته المنتظمة عبر قناة “السادسة” التي تابع من خلالها المغاربة شروحاته الماتعة والعميقة لعدد من المتون الفكرية الكبرى، بأسلوب يجمع بين دقة المفاهيم، ووضوح العبارة، وهدوء العالم المتمكن من أدواته.
وقد أسهم الفقيد، على مدى عقود، في إعادة الاعتبار لثقافة المناظرة العلمية، والنقاش العقلاني، من خلال تأصيل هذا الفن وتجديد حضوره في الفضاء المعرفي المغربي، وربطه بالسياق المعاصر بما يعزز ثقافة التعايش والتفاهم داخل المجتمع وخارجه.
ورغم كثافة مسؤولياته الأكاديمية والإدارية، فقد ظل الدكتور محمد الأمين الإسماعيلي، إلى آخر لحظة من حياته، وفيًّا لرسالته، باذلًا علمه ووقته بسخاء، وناشرًا للمعرفة من المغرب إلى العالم الإسلامي، حيث استفاد من دروسه ومؤلفاته عدد من العلماء وطلبة العلم في مختلف الأقطار، لاسيما في دول جنوب شرق آسيا.
برحيل الدكتور محمد الأمين الإسماعيلي، يفقد المغرب هرمًا علميًا نادرًا، جمع بين العمق والتواضع، وبين غزارة المعرفة ونبل الأخلاق، وترك وراءه إرثًا من الفكر والتكوين سيظل نبراسًا للأجيال، وشاهدًا على عطاء رجل وهب حياته لخدمة العلم والدين والوطن.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه وتلامذته جميل الصبر والسلوان. وانا لله وانا اليه راجعون.