بقلم: د. محمد وراضي
ما هي مستخلصات الحصار المضروب على رياضة الأفكار؟ أو ليس الحصار في حد ذاته حرمان الشعب من الاطلاع على الحقيقة؟ وكل حرمان متعمد، هل يشجع على إحياء التراث والترويج له، أم العكس هو الصحيح؟ وكل تراث، هل لا بد أن يستمر في وجوده كما هوعليه بالأمس القريب والبعيد؟ أم إن التمييز منه بين الطيب والخبيث ضروري ممكن؟ بحيث إننا نحتفظ بالطيب منه، ونلقي بالخبيث منه في مزبلة التاريخ؟ وهل علينا أن نعيد النظر في كافة التراث وفي كافة المجالات؟ وما الذي يعنيه الاهتمام بالصناعات التقليدية؟ أو ليس لجعلها مسايرة للعصر؟ والتراث الديني على وجه التحديد، هل نقبله في جملته وبرمته؟ أم إن إعادة النظر فيه مفروض علينا إن نحن جادون لبناء مستقبل زاهر متطور؟ وهل بمقدورنا أن نستسيغ كثرة الحوارات التلفزية عن التجديد والتطور إلى حد هز الأرداف والمؤخرات أمام الآباء والأمهات والأبناء والبنات؟ بينما تظل حوارات عن تجديد الدين وما حوله من ظلاميات غائبة ومقيدة؟ أم إن بلادنا في حاجة إلى من يثرثرون في الدين المزيف ويقولون ما يحلو لهم، أو ما فرض عليهم أن يقولوه، ولو كان القائلون معدودين من المطربين والمطربات، ومن الفنانين والفنانات؟ وهل الترحيب في وسائل الاتصال المملوكة للأمة كي يقدموا آراءهم في الدين، خطر يهدد النظام واستقراره؟ وهل هذا الترحيب يستحقه الرياضيون الجسديون، دون الرياضيين الفكريين؟ بينما طبع ما تسفر عنه رياضة الفكر، لم يجد أمامه مساعدة تقدمها وزارة الثقافة على وجه العموم؟
لماذا تخصص وزارة الشبيبة والرياضة لمختلف أنواع الرياضات الجسدية أو البدنية ملايير من الدراهم، في حين أن وزارة الثقافة أفقر الوزارات في نظرنا على الإطلاق؟ أو ليس الشعب بعينه هو الذي يمول جميع الوزارات؟ وما الذي يعنيه اهتمام وزارة الثقافة – في حدود غير معقولة – بالتراث العمراني، وضعف أو غياب اهتمامها بالتراث الفكري الذي يوحي إليه اسمها؟ قد تقدم على إصلاح الأضرحة، وبعض الزوايا، وبعض المساجد، لكنها لم تشجع كتابا ومفكرين يفنون قواهم وأوقاتهم في إظهار عيوب الأضرحة والزوايا من خلال الكشف عن حقيقة بناتها والمشرفين عليها؟
وهل من مصلحة الدولة، أو من مصلحة المواطنين تخصيص أموال طائلة للمواسم الدينية المعروفة بمواسم أولياء الله الصالحين؟ وتخصيصها لهذه الأموال، هل يدخل في إطار ما سميناه ونسميه “جلب المنافع ودفع المضار”؟ وهل بمقدور أي كان من علماء الأمة، في المجلسين: الأعلى والمجالس الجهوية، أن يدعي بأن جلب المضار من مقاصد الشريعة؟ وما الذي يعنيه أن يستقبل القواد وخلفاؤهم بعض أعيان قبيلة ما للحصول على إذن بإقامة موسم سيدي عبد الرحمان أو سيدي علي اليشكوري؟
ولست أدري أين اختفى عقل التقدميين والثوريين، بينما وزير الاتصال في كافة الحكومات، يسوق للمستمعين والمشاهدين صورا للشرك البواح، سواء جسدها أصحابها في عجل جسد له خوار؟ ما وراءه يحيلنا على المنحرفين من اليهود المشوهين لرسالة موسى. هؤلاء الوارد ذكرهم في قوله عز وجل: “وواعدنا موسى أربعين ليلة، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون”. وفي قوله سبحانه: “وإذ قال موسى لقومه إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم”.
والعجل الذي يتم ذبحه لفائدة موسم سيدي فلان – كما شاهدنا حتى في القنوات الفضائية – يتم شراء لحمه لمن يرجون الاستفادة من البركة التي يبيعها صاحب الضريح الذي تحولت عظامه من نخرة إلى مجرد رميم. إلا أن العلماء غارقون عاجزون، وإلا كان عليهم اعتراض الشرك وإغلاق كافة ابوابه. مع أن هناك مواسم يحضرها حملة كتاب الله أو أشباه هؤلاء، بحيث إنهم يبيعون قراءة القرآن بما يملؤون به بطونهم، وبما يضعونه في جيوبهم، مع أنه لا وجود لنصوص نقلية تزكي هذه الأفعال وتحسنها. مما يدل قطعا بأن كل الذين أدوا قسم الولاء والطاعة كذابون، سميناهم علمانيين أو سميناهم إسلاميين.
وهذه الحملات الإصلاحية والنقدية المشروعة، والتي نقوم خلالها برياضة فكرية نورانية، لم تعرها الدولة أي اهتمام، وإنما هي تصرف الملايين من مال الأمة لدعم الرياضات الجسدية كما قلنا، وكما أكدنا ونؤكد. إذ لا فائدة ـ في نظر العلمانيين ـ من اعتماد التلفزة التي تمول بأموال الشعب، لتقديم برامج يعود تأثيرها في المواطنين إلى العصور الوسطى.. عصر الظلمات الدينية في مشارق الأرض ومغاربها. وفي نظرنا أنه من باب المهازل أن يشرف شخص على وزارة الاتصال، ثم لا يهتم بإنجاز ما أدى عليه القسم. فتقديم صور عن موسم يعقد في أعلى جبل مشرف على توريرت وضواحيها بحجة وجود 44 ولي، دون أن يكون في موضع الاحتفال بالموسم ولا ضريح واحد، يمثل استهزاء بالعقول، إلى حد أن المشاهدين من الأجانب سوف يستغربون من مغرب يدعي التقدم والرقي، لكنه مرتبط رسميا بخرافات لم تعد مقبولة إلا لدى المجتمعات البدائية؟؟؟