صدر حديثا عن دار إفريقيا الشرق كتاب “مستشارو جلالة الملك: دراسة في الأصول الاجتماعية والمسارات السياسية” للكاتب محمد شقير وهو أستاذ باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني فالدار البيضاء، وهو العمل الرابع ضمن السلسلة السياسية للباحث، ويمثل امتدادا لمؤلف سابق تناول تطور مؤسسة المستشارين الملكيين من عهد الملك محمد الخامس إلى عهد الملك محمد السادس، مع التركيز هذه المرة على الأبعاد السوسيولوجية والسياسية لهذه الفئة التي أصبحت تحتل موقعا محوريا داخل بنية الحكم بالمغرب.
ويرصد المؤلف التحول الذي عرفه دور مستشاري الملك عبر المراحل التاريخية المختلفة، إذ كان حضورهم خلال عهد الملك محمد الخامس يقتصر أساسا على تقديم النصح والمشورة ونقل المعطيات، قبل أن تتم مأسسة مهامهم بشكل أوضح في عهد الملك الحسن الثاني، الذي حدد اختصاصاتهم وهيكلة مسؤولياتهم داخل الديوان الملكي. غير أن هذا الدور عرف توسعا أكبر مع الملك محمد السادس، حيث بات المستشارون فاعلين حاضرين بقوة في الحياة السياسية والمؤسساتية، سواء من خلال مشاركتهم في المجالس الوزارية أو مواكبتهم للأوراش الاقتصادية والتنموية الكبرى، فضلا عن اضطلاع بعضهم بمهام التفاوض والإشراف على مبادرات استراتيجية وإيصال الرسائل الملكية داخليا وخارجيا.
ويتناول الباحث خصوصية الوضع السياسي لمستشاري الملك باعتبارهم جزءا من النخبة السياسية المغربية إلى جانب الوزراء والبرلمانيين والقيادات الحزبية، ما يفرض، بحسب المؤلف، مقاربة سوسيولوجية ترصد منحدراتهم الاجتماعية والجغرافية ومساراتهم التعليمية والمهنية.
وفي هذا السياق، يبرز الكتاب أن مستشاري الملك الحسن الثاني شكلوا نسيجا اجتماعيا متنوعا، رغم غلبة الانتماء إلى جيل عشرينيات القرن الماضي وإلى مدينتي فاس وسلا. كما أن أغلبهم كانوا من جيل الحركة الوطنية، مثل أحمد بنسودة ومحمد عواد ورضا كديرة وإدريس السلاوي، وهو ما خلق تقاربا في السن والتجربة السياسية بينهم وبين الملك الحسن الثاني، الذي ازداد سنة 1929، الأمر الذي ساهم في بناء علاقة قرب وتوافق في الرؤية السياسية داخل دائرة الحكم.
أما في عهد الملك محمد السادس، فيشير الباحث إلى أن المستشار فؤاد عالي الهمة يعد الأقرب إلى الملك من حيث السن والعلاقة الشخصية، بحكم ارتباطهما بفترة الدراسة داخل المعهد المولوي، وهو ما ساعده، وفق المؤلف، على التدرج في مواقع حساسة والتحول إلى أحد أبرز المقربين من مركز القرار.
كما يتوقف الكتاب عند الخلفيات التعليمية والمهنية لمستشاري الملك، مبرزا هيمنة التكوين القانوني والأدبي لدى مستشاري الملك الحسن الثاني، مثل عبد الهادي بوطالب وزليخة نصري ومحمد معتصم، الحاصلين على تكوينات قانونية عليا، وهو ما ينسجم مع الخلفية القانونية للملك الراحل نفسه الذي تابع دراسته بجامعة بوردو الفرنسية. ويرى الباحث أن طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي تتمركز فيه المؤسسة الملكية في صناعة القرار، تجعل من الكفاءة القانونية والفقهية شرطا أساسيا داخل الديوان الملكي.
كما سجل المؤلف حضور التكوين الأدبي لدى بعض المستشارين، مثل عباس الجراري ومحمد عواد، اللذين تابعا دراساتهما العليا بجامعة السوربون، مقابل محدودية التكوين التقني الذي مثله أساسا المستشار مزيان بلفقيه، خريج مدارس الهندسة الفرنسية.
ويؤكد الباحث أن هذا الطابع الفرنكفوني ظل حاضرا أيضا في تكوين مستشاري الملك محمد السادس، حيث إن أغلبهم حصلوا على شهاداتهم العليا من مؤسسات جامعية فرنسية، ما يعكس، بحسب الكتاب، استمرارية النمط التكويني الذي ميز النخب السياسية والإدارية المغربية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال.
ويستحضر المؤلف في هذا الإطار خلاصات الباحثة أمينة المسعودي حول النخبة الوزارية المغربية، والتي أكدت فيها هيمنة التكوين الفرنسي على مسارات الوزراء المغاربة، مع ارتباط ذلك بخلفيات تعليمية حديثة داخل ثانويات عصرية كمولاي يوسف بالرباط ومولاي إدريس بفاس، معتبرا أن مستشاري الملك يشكلون امتدادا لهذه النخبة التي جمعت بين الرأسمال الأكاديمي والخبرة السياسية والإدارية.