بالواضح – الرباط
لم يكن اسم عبدالعزيز الدرويش غريباً عن المشهد السياسي في الرباط حين قرر حزب الاستقلال الدفع به وكيلاً للائحته في دائرة الرباط-شالة. فالرجل الذي يستعد اليوم لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، راكم خلال سنوات حضوراً متدرجاً داخل المؤسسات المنتخبة، بدأ من العمل المحلي، مرّ عبر العمل الحزبي، ثم اتسع إلى التدبير الترابي على المستوى الوطني.
لكن ترشيحه هذه المرة يحمل دلالة مختلفة. فالدرويش لا يدخل «شالة» كوجه انتخابي جديد، وإنما كسياسي اختبر أكثر من موقع داخل المؤسسات، قبل أن يجد نفسه أمام أصعب امتحان انتخابي في مساره: أن يحول تجربة التدبير إلى أصوات في واحدة من أكثر دوائر العاصمة تنافساً.
ابن العمل المحلي
تعود علاقة الدرويش بالمشهد الانتخابي في الرباط إلى سنوات سابقة على انتقاله إلى حزب الاستقلال. فقد كان من الوجوه النشيطة داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتولى مسؤولية نائب رئيس مقاطعة السويسي، كما كان عضواً بالمكتب السياسي للحزب، قبل أن يغادر «الوردة» ويلتحق بحزب الاستقلال قبيل انتخابات 2021.
وفي غشت من تلك السنة، قدمه الاستقلال باعتباره أحد رهاناته في مقاطعة السويسي، في خطوة عكست رغبة الحزب في استقطاب شخصية لها تجربة سابقة داخل المؤسسات المحلية وحضور في منطقة تعتبر من أكثر المناطق السياسية حساسية في العاصمة.
وهنا تكمن إحدى مفاتيح شخصية الدرويش السياسية: فهو لم يبدأ من البرلمان، ولم يصعد مباشرة من جهاز حزبي إلى مؤسسة تشريعية، بل تشكلت تجربته أساساً في الميدان المحلي، حيث تتقاطع السياسة مع تدبير القرب، والانتخابات مع العلاقات اليومية بالساكنة.
انتقال من «الوردة» إلى «الميزان»
كان انتقاله إلى حزب الاستقلال من أبرز التحولات في مساره السياسي قبيل استحقاقات 2021.
فالمعطيات المنشورة آنذاك قدمته باعتباره قيادياً اتحادياً سابقاً اختار مغادرة الحزب والالتحاق بالاستقلال، في سياق خلافات داخلية مرتبطة، بحسب ما نقلته الصحافة آنذاك، بطريقة تدبير التنظيم وإبعاد عدد من الكفاءات.
وبهذا الانتقال، لم يكن الدرويش يغير فقط اللون الحزبي، بل كان يعيد ترتيب موقعه داخل الخريطة السياسية للعاصمة.
واللافت أن هذا الانتقال سرعان ما أثمر موقعاً مؤسساتياً أكبر مما كان متوقعاً؛ إذ قاد لائحة حزب الاستقلال في انتخابات مجلس عمالة الرباط، قبل أن يصبح بعد ذلك رئيساً للمجلس.
لحظة الصعود: مجلس عمالة الرباط
في 30 شتنبر 2021، انتُخب عبد العزيز الدرويش رئيساً لمجلس عمالة الرباط، بعدما حصل على 19 صوتاً مقابل امتناع عضوين، في إطار التفاهم الذي جمع الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار حول توزيع رئاسات المجالس بالعاصمة.
كانت تلك اللحظة بمثابة انتقال من السياسي المحلي إلى أحد مراكز التدبير الترابي بالعاصمة.
لكن أهمية الموقع بالنسبة إلى الدرويش لم تتوقف عند حدود الرباط. ففي يناير 2022 انتُخب رئيساً للجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، بالإجماع، ليصبح بذلك ممثلاً لهيئة تجمع رؤساء المجالس الإقليمية والعمالات بالمغرب.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه أكثر بملفات اللامركزية والحكامة الترابية والتنمية الاجتماعية، وهي مجالات تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة إلى أسئلة تنظيم الدولة وعلاقة المؤسسات المركزية بالجماعات الترابية.
من تدبير الرباط إلى الواجهة الوطنية
رئاسة الجمعية لم تكن منصباً بروتوكولياً بالنسبة إلى الدرويش.
فالرجل ظهر خلال السنوات الماضية في لقاءات وطنية ودولية مرتبطة بالتنمية الترابية، والتدريب الترابي، واللامركزية، والعلاقات بين الجماعات المغربية ونظيراتها الأجنبية.
وفي 2022، انتُخب عضواً في مكتب الجمعية الإقليمية والمحلية الأورومتوسطية «ARLEM»، كما تولى مهمة مقرر لجنة التنمية الإقليمية المستدامة، في موقع أتاح له الاشتغال على قضايا تتجاوز المجال المحلي المغربي.
كما شارك في لقاءات مرتبطة بالتعاون الترابي المغربي الأوروبي، وتحدث باسم الجمعية حول قضايا الحكامة والتنمية المستدامة والتعاون بين الجماعات الترابية.
وهذا المسار يفسر جانباً من الصورة التي يقدمها الدرويش عن نفسه: سياسي يفضل، على الأقل في واجهته المؤسساتية، لغة التدبير والبرامج والشراكات أكثر من الخطاب الانتخابي الصرف.
رجل سياسة أم رجل مؤسسات؟
من أبرز المحطات التي تكشف تعدد مسارات الرجل تعيينه، في أكتوبر 2021، رئيساً لديوان وزير الصحة والحماية الاجتماعية آنذاك خالد آيت الطالب.
التعيين جاء بعد أسابيع قليلة من انتخابه رئيساً لمجلس عمالة الرباط، وأبرزت الصحافة في تلك الفترة خلفيته في مجال التواصل السياسي.
وهذه التجربة الإدارية-السياسية تضيف طبقة أخرى إلى مساره؛ فالدرويش لم يبق محصوراً داخل المجالس المنتخبة، بل دخل لفترة إلى قلب الإدارة السياسية لقطاع حكومي، قبل أن يواصل حضوره في مجال التدبير الترابي.
لذلك يصعب اختزاله في صفة «رئيس مجلس عمالة» فقط. فمساره يجمع بين الحزب، والانتخاب المحلي، والتدبير الترابي، والتواصل السياسي، والعمل داخل ديوان وزاري، ثم التمثيلية الوطنية لهيئة رؤساء مجالس العمالات والأقاليم.
نقطة لا ينبغي الخلط فيها
يظهر اسم عبد العزيز الدرويش أيضاً في أخبار سياسية وانتخابية مرتبطة بمراكش وتسلطانت، وهو ما قد يؤدي إلى الخلط بين شخصين يحملان الاسم نفسه.
الدرويش المرتبط بالرباط هو رئيس مجلس عمالة الرباط ورئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، وسبق أن كان من الوجوه السياسية في مقاطعة السويسي.
أما الأخبار التي تتحدث عن الدرويش البرلماني عن دائرة المدينة-سيدي يوسف بن علي، وعن تجربته السابقة في رئاسة جماعة تسلطانت بمراكش، فتتعلق بشخص آخر يحمل الاسم نفسه. وقد ظهر ذلك بوضوح في التغطيات الانتخابية لسنة 2021.
والتمييز بين الرجلين مهم، خصوصاً في أي بروفايل صحافي، حتى لا تختلط التجربتان أو تنسب إلى مرشح الرباط مسارات انتخابية تخص مراكش.
لماذا يراهن عليه الاستقلال؟
اختيار الدرويش وكيلاً للائحة الاستقلال في الرباط-شالة لا يبدو منفصلاً عن هذا المسار الطويل.
فالحزب لا يقدم في هذه الدائرة وجهاً انتخابياً مبتدئاً، وإنما يستثمر في شخصية تعرف تضاريس العاصمة من الداخل، واشتغلت سنوات في المؤسسات المنتخبة، وتملك تجربة في التفاوض السياسي والتدبير والعلاقات بين مختلف مستويات القرار المحلي.
والأهم أن الدرويش سبق أن خاض انتخابات السويسي، وهي دائرة لا تُمنح فيها الأصوات بسهولة. ففي انتخابات 2021 حصلت لائحة الاستقلال التي قادها على 764 صوتاً وأربعة مقاعد في مجلس مقاطعة السويسي، خلف لائحة التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة امتلاك خزان انتخابي جاهز على مستوى شالة، لكنها تقدم مؤشراً على أن الرجل سبق أن اختبر آلة انتخابية داخل الرباط، وليس وافداً عليها عشية الاستحقاق.
من شرعية المؤسسة إلى شرعية الصندوق
ربما يكون هذا هو جوهر مغامرة الدرويش في انتخابات 23 شتنبر.
فرئاسة مجلس عمالة الرباط تمنح صاحبها موقعاً مؤسساتياً، ورئاسة الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم تمنحه حضوراً وطنياً، والخبرة الحزبية توفر له شبكة سياسية، فيما توفر التجربة السابقة في السويسي معرفة بجزء من الخريطة الانتخابية للعاصمة.
لكن كل ذلك لا يحسم الانتخابات.
فالناخب في «شالة» لن يصوت على رئيس مجلس عمالة، ولا على رئيس جمعية وطنية، ولا على مسؤول سابق في ديوان وزير؛ بل سيصوت على مرشح يعتقد أنه قادر على تمثيله داخل مجلس النواب.
وهنا يتحول رصيد الدرويش نفسه إلى امتحان.
هل يستطيع السياسي الذي راكم سنوات في المؤسسات أن يقنع الناخب بأن تجربته التدبيرية تستحق أن تنتقل إلى البرلمان؟
وهل يمكن لحزب الاستقلال أن يحول حضوره المؤسساتي في العاصمة إلى مقعد برلماني، بعد أن غابت عنه الدائرة في الاستحقاق التشريعي السابق؟
«شالة».. الاختبار الأصعب
تزداد صعوبة المهمة لأن الدائرة ليست ساحة انتخابية عادية. فهي تجمع جزءاً مهماً من المجال الحضري للرباط، وتعرف تنافساً بين أسماء لها حضور سياسي وتنظيمي.
وبالتالي، فإن المعركة بالنسبة إلى الدرويش لن تكون مجرد مواجهة مع منافسين انتخابيين، وإنما اختبار لشبكة علاقاته داخل العاصمة، ولصورة حزب الاستقلال في الرباط، ولقدرته الشخصية على الانتقال من موقع المسؤول الذي يدبر مؤسسة إلى موقع المرشح الذي يطلب من المواطن أن يمنحه صوته.
لهذا يمكن قراءة ترشيح عبدالعزيز الدرويش باعتباره محاولة من حزب الاستقلال لاستثمار رجل المؤسسات في معركة تحتاج قبل كل شيء إلى رجل انتخاب.
والفاصل بين الصفتين هو صندوق الاقتراع.
في «دائرة الموت»، لن تكفي المناصب السابقة، ولا العلاقات الحزبية، ولا سنوات التدبير. وحدها القدرة على تحويل الرصيد السياسي والمؤسساتي إلى ثقة انتخابية ستحدد ما إذا كان عبدالعزيز الدرويش سيغادر مجلس عمالة الرباط نحو قبة البرلمان، أم سيبقى واحداً من أبرز وجوه التدبير الترابي بالعاصمة.