بقلم: د. محمد وراضي
نسأل عصيد وباقي العصداء معه – ومن جملتهم رفيقة دربه مليكة مزان – عما إذا كانت الدول الحديثة تقبل على تغيير الدستور من حين إلى آخر؟ ودستورنا نحن بالمغرب، كم من مرة جرى تعديله؟ وتعديل الدساتير، لماذا يتم؟ وعلى ماذا يدل؟ أو لا يطل وراء تعديله ضغط الجماهير، أو فرض بعض الضوابط لفائدة الأنظمة الحاكمة؟ وهذه الجماهير، لماذا تثور وتنتفض؟ أليس لأنها مظلومة ومحرومة من حقوق لم تتمتع بها في إطار الأنظمة القائمة؟ وإن وقفنا وقفة الناظر المتبصرعلى الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لهذه الأنظمة، فما الذي نجده؟ أو لا نجد الظلم والطغيان، والفساد الإداري، والمحسوبية، والوصولية، والانتفاعية، ونهب الأموال، وغياب استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية عل وجه التحديد؟ وإمساك العسكريين في أكثر من دولة عربية بزمام الاقتصاد والمال، ومساندة الحكام العسكريين والدكتاتوريين من طرف الاستكبار الدولي؟ أو لا يدل وضع حكامنا على أن الاستكبار يحميهم لكونه يحصل على ما يحصل عليه من خيرات بلداننا بأقل تكلفة؟ أو لم يصرح الرئيس الأمريكي “ترامب” بأن على الدولة السعودية أن تدفع الأموال مقابل حماية نظامها؟ وإلا سقط في ساعات؟ ونفس الحماية تستفيد منها دول عربية أخرى لنفس الأهداف الاستعمارية؟ أو لم يصرح نفس الرئيس الأمريكي بحبه للدكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي؟ أو لم يكن هناك تطلع الغربيين صوريا إلى الشرق الأوسط الديمقراطي الكبير؟
إنما ما الذي حصل حينما تقدم الإسلاميون مطلع التسعينيات في انتخابات الجزائر المحلية، حيث اتضح للحكام العسكريين بها خطر الإسلاميين المقبل على كرسي الرئاسة؟ أو لم يقبلوا بمساعدة الاستكبار على إبعاد الإسلاميين؟ فكان أن دخلت الجزائر في أوضاع مزرية؟ حيث قامت مواجهات حامية بين المطالبين بحق الشعب في العيش الكريم، وبين قادة الحكم العسكري المتشبث بالعلمانية الصورية؟ ثم عرفت الانتخابات الحرة في فلسطين نفس المصير إنما لماذا؟ لأن الاستكبار يخشى مما يطلق عليه الإسلام السياسي؟ فقد اشتد عزمه على مواجهة هذا الإسلام الذي منع في دول عربية كثيرة، يكفي أن في هذه الدول منعا لارتداء الحجاب، وإسدال اللحى، ومن تأسيس الأحزاب باسم الإسلام؟ لأن الأحزاب العلمانية المساندة للأنظمة الفاسدة يحتجون بأن المواطنين كلهم مسلمون؟ فكان من باب المنطق أن يسرع الاستكباريون إلى إجهاظ الثورة الإيرانية في المهد؟ ولم يجدوا غير حكام العراق الذين اسندوا إليهم مسؤولية إجهاظها؟ لكن الشعب الإيراني قاوم الحلف الغربي – العربي على مدى ثمانية أعوام؟ بعدها وجد بعض حكام العرب عونا لهم ومساندا في إيران حينما تم للعراق الصدامي احتلال الكويت لفترة؟ ثم انتهى الأمر بالعراق إلى ما هو عليه اليوم؟؟؟
ونجح الأمريكان في تأسيس مسمى “مجلس التعاون الخليجي” حيث أوحوا بالخطر الذي يمثله النظام الإيراني على كافة دول الخليج؟ فاقتنع حكام هذه الدول بالخداع الأمريكي المجسد للجاهلية في صورتها العصرية؟ مما سهل حصولهم على صفقات تجارية، في مقدمتها بيع الأسلحة بالملايير؟ فضلا عن إحداث أكثر من قاعدة عسكرية على أراضي الخليجيين، بعيدا عن استشارة الشعوب التي كان ولا يزال من حقها أن تقبل أو ترفض الوجود العسكري الأجنبي بين ظهرانيها؟ ومع ذلك يتبجح العلمانيون عندنا بكون العلمانية أحق بالتقدير والاحترام والتطبيق من الإسلام المتخلف كما يزعمون؟؟؟
غير أن مصير مجلس التعاون الخليجي، كمصير الجامعة العربية؟ وكمصير اتحاد دول المغرب العربي؟ وكمصير كل تجمع وكل اتحاد صوري عقده الحكام العرب في الشرق أو في الغرب؟ مما يعني كون شيطنة الاستكبار الغربي قد أفلحت في إفساد أي عمل عربي في الوحدة التي لا بد أن تتجلى في جيش مشترك، وفي اقتصاد مشترك، وفي توحيد العملة، وفي إلغاء الجمارك في التعامل التجاري، وفي إلغاء التأشيرات وقرارات غيرها لتحسين الاقتصاد والمال، ولتحبيب الحكام لدى الجماهير؟
والحال أن تحسين الاقتصاد يسهله توفر كثير من العرب على مصادر مختلفة للثروات التي تحقق التقدم بكل سهولة في شتى الميادين. وفي مقدمتها توفير الاكتفاء الذاتي من الغداء! فالسودان وحده – قبل تمزيق وحدته – كان كافيا لتوفير ما يكفي العرب جميعهم من القمح والشعير والذرة، وما يكفيهم من أغنام ومن أبقار، وماعز؟ لكن حكامنا للأسف الشديد يستثمرون أموال شعوبهم لخدمة مصالحهم ومصالح الاستكباريين في دولهم المختلفة؟ وهذا النهج الذي يسلكه حكامنا لا تمكن إضافته إلى العلمانية الممثلة في النظام الرأسمالي الليبرالي على سبيل المثال؟ كما أنه لا تمكن نسبته إلى الإسلام الذي يتبرأ منه كنهج همجي جاهلي مرفوض دينا وعقلا على العموم؟؟؟