تابع الكل كيف صار المشهد السياسي أكثر عشوائية، منذ تسلّم حكومة أخنوش مفاتيح الحكومة الجديدة، حيث باتت الخريطة السياسية بلا بوصلة واضحة يمكن ان تسير على هديها الطبقة السياسية، ليضطلع كل حزب منها بأدواره بما يناسب تموقعه السياسي، حيث شاهدنا تخلي الأحزاب بما فيها المعارضة عن أدوارها الرقابية الحقيقية وليس الشكلية…
فإلى أمس قريب ورغم العيوب والمثالب التي أحاطت بطبيعة أداء العمل الحزبي والسياسي بشكل عام، إلا أن المشهد كان على الأقل واضحا ومرتبا بين احزاب الأغلبية تشكل الهيكل الحكومي واحزاب المعارضة التي تراقب الحكومة ليقوم بذلك كل بأدواره السياسية الطبيعية التي انشئت لأجلها المؤسسة الحزبية للقيام بأدوار الوساطة بين الدولة والمجتمع، لكن مع صعود حكومة “رجل الاعمال” عزيز أخنوش تابعنا مدى شبه اصطفاف الكل وراء هذا الرجل أو حواليه!! حيث غابت تلك المعارضة الحقيقية التي تنقل نبض الشارع إلى قبة البرلمان على المستوى الحكومي أو على مستوى المجالس المحلية المنتخبة…
مناسبة القول هنا هو خروج احتجاجات أسبوعية غاضبة في عدد من المدن تطالب بالغاء إلزامية جوزا اللقاح وضبط أسعار المواد الأساسية الملتهبة وسط صمت شبه مطبق لمن يتحدث عنهم أو يتواصل معهم أمام هذا الشارع الذي وجد نفسه، فجأة، إزاء واقع مبهم متزامن مع صعود حكومة مضطربة بعدد من الملفات التي ورطت نفسها أمام المواطن للوفاء بوعودها الانتخابية الوردية…
ومع حالة هذا الارتباك الذي أصاب المشهد الحزبي والسياسي، فإنه من الطبيعي أن نرى نهوض المواطن ليعبر بنفسه عن مطالبه، ولتنشأ بذلك ما تسمى “معارضة الشارع” ليقوم بما نسميه في الدارج على ألسننا بـ”شرع يده”، وهذا لا يعني أنه ليس من حق المواطن في الخروج بالاحتجاج، بل على النقيض من ذلك تماما، فالاحتجاج حق مكفول دستوريا بل وصحي على مستوى السلوك الديمقراطي الراقي، إلا أنه من غير الطبيعي أن يخرج الشارع للتعبير عن كل أو أي مطالب أو نقائص عارضة قد تحدث اليوم أو غدا، فهذا ما قد يتسبب في فوضى أو اختلال في المنظومة السياسية والاجتماعية.
ولكي نجسد الوضع مبكرا قبل تفاقمه، ونضع الأصبع في مكمن الداء، نشير ونؤكد إلى أن السبب في ذلك هو نشوء ظاهرة غير صحية في غياب عمن ينقل مطالب الشعب إلى الحكومة وممثلي المجالس المنتخبة، فمصلحة أحزاب المعارضة ليس في الحكومة ذات الخمس سنوات بل في المنفعة العامة للوطن، فالأدوم هنا هو المصلحة العامة للبلد التي لا مفر للجميع من العيش سويا وتحت سقف واحد وليس اللهث وراء منافع سياسية عابرة قد ترتبط فقط بحزب أو بأحزاب أو الأحرى بشخص أو بأشخاص…