بقلم: د. محمد وراضي
كمسلمين، نحتفل بثلاثة أعياد: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعين المولد. هذا الأخير الذي يعتبر لدى المخلصين للدين الحق من البدع المحدثة. وبما أننا من ذيول أقوال الغرب وأفعاله، فإننا – وإن لم نكن جميعنا – نحتفل بعيد الحب. هذا العيد الذي سوف يصبح بعد حين عاما يحتفل به المغاربة في الحواضر وفي البوادي؟
لكن الحب كلمة عامة، معناها “ميل طبيعي أو عاطفي يجذب إنسانا إلى آخر، أو شعور رقيق يشده إليه “حب بنوي”… “حب زوجي”… “يكن له حبا خالصا”… ميل روحي قائم على الإخلاص والتعلق الشديد والتفاني… ميل روحي إلى قيم فنية أو جمالية… أو مثالية… “حب الموسيقى”… “حب الشعر”… “حب الغنى”… “حب الحياة”…، إلى ما هنالك من أنواع له غير محددة؟
فإطلاق “عيد الحب” إطلاق يفهم لدى العاملين به على ما سماه توفيق الحكيم “حب القلب”. فقد تحدث وهو يكتب الإنشاء الذي يكلف المعلم تلامذته بإنجازه في أي موضوع يتم لهم اختياره، فاختار هو الحديث عن الحب، والمعلمون في ذلك الزمن أميل إلى التحفظ، وكان أن حدد باختصار موضوعات هي بمثابة المحبوب. أولها حب الله، وحب الوالدين، وحب الوطن، ومعلمه يصغي إليه بإعجاب، أخيرا – وهو يختبئ وراء ظهر تلميذ صديق – تحدث عن “حب القلب” كما سماه. فكان أن نهره المعلم ذو الجلباب التقليدي، كما هو شأن السلفيين المتزمتين، بخصوص جرأة المتفتحين الراغبين في مخالفة الأجداد المحافظين، وإن تعلق الأمر بموضوع لم يتخلف الكتاب والسنة عن تناوله!!!
لكن عيد الحب، إن كان يقصد به “حب القلب” كما سماه الحكيم، يتم للأزواج وللعشاق الاحتفال به طوال السنة؟ ومن جهة أخرى، نجد نفس الحب عند أي مؤمن صادق، إنه يحب الله الذي يؤدي أمامه الواجبات الدينية في صور متعددة، كما يكشف عن ولائه وحبه القلبي وهو يصلي على نبي الهدى والرحمة. إضافة إلى حب الوالدين والأقارب والأصدقاء والجيران، والناس أجمعين. إن كان لدى هذا المحب فهم سليم للدين، لأن المسلم أخو المسلم، ولأن الحق سبحانه يقول: “إنما المؤمنون إخوة”، والأخوة لا يمكن تصورها دون حب.
وزيادة في التوضيح، ما الذي يعنيه الاحتفال بعيد الفطر؟ أو لا يعد برهانا على حب المؤمنين لله عز وجل من جهة، واقتداء برسوله من جهة ثانية؟ أولا يعد انتظار حلول شهر رمضان الأبرك دليلا على انتظار مناسبة تقوي حب الله في نفس المؤمن المخلص الصادق؟ هذا بانسبة لمن يستولي حب الله قبل غيره على قلبه. نقصد من يداوم على حبه في كافة أحواله، اقتداء منه بالمختار الذي يعبد ربه في أحواله كلها، إلى حد القول بأن حب الله لا بد أن يكون دائما مسيطرا على قلوب المؤمنين والمؤمنات؟
فالمهتمون باتباع القدوة، إنما يستجيبون لقوله سبحانه وهو يخاطب رسوله المحب المحبوب: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم”. وحب الله هو ذكره في أي حال من أحوالنا، وفي أي موقع لنا، وفي أي وظيف نشغله، وفي أية مهنة نمارسها، نفتح دكاننا أو متجرنا باسمه تعالى، ونبيع ونشتري باسمه، وبه نزن ما نبيعه، وبه نتعامل مع من نتعامل معه، من زبناء، ومن غير زبناء، وباسمه كذلك نتجنب الكذب والرياء والغش والاعتداء والظلم. وإن كنا من الفلاحين، فباسمه نحرث الأرض، وباسمه نزرعها، وباسمه نجني الثمار أو الغلال.
وحبنا لرسول الله، لا نعبر عنه إلا من خلال حبنا لله، إذ لا دليل على حبنا له إن لم نلتزم بما ألزمنا الله به، عندها، وعندها فقط نتحدث عن حبين صادقين، وعن الإحساس بسعادتين. بعدها يأتي حب الوالدين على أساس أنهما من زرعا فينا حب الله وحب رسوله. وحب الوالدين يسلمنا إلى حب الوطن لأن حب الوطن – كما قال ص – من الإيمان، دون أن ننسى حب المعلمين، وبقية أنواع الحب الأخرى، مع التأكيد على أن “حب القلب” المطلوب منا الاحتفال به لا يحده يوم ولا ساعة ولا سنة، إننا نمارسه – كمخلصين لله – في كل وقت وفي كل حين.