عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟؟؟ ح. 8

بقلم: د. محمد وراضي

رسميا وضع الشيخ الوقور حدا لتفعيل مرسوم 218 هجرية. أما شعبيا، فظل المعتزلة يروجون لمبادئهم المسيئة إلى العقيدة السنية أيما إساءة، ولم توجه إلى مبادئهم تلك انتقادات لاذعة إلا على يد الإمام العلامة أبي الحسن الأشعري.
فمن هو هذا الإمام؟ وما صلته بالمعتزلة؟ ولماذا وجه إليهم ضربات قاضية؟ وهذه الضربات – لمن لم يعرفها – نقف عليها في مؤلفين له قيمين: “مقالات الإسلاميين” و”الإبانة عن أصول الديانة”.
ينتهي نسب أبي الحسن الأشعري إلى جده الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، الذي لا تكفينا صفحات وصفحات للحديث عنه. ولد أبي الحسن عام 260، أو 270 ه في البصرة، وتوفي ببغداد سنة 330ه أو قبلها أو بعدها.
وحين نشأته العلمية، كانت البصرة بؤرة الفكر الاعتزالي، فأصبح كأقرانه من الشباب معتزليا حتى النخاع. لكن الله تعالى هداه إلى “مذهب السلف في إثبات صفات الله من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تمثيل لأنها من أمر الغيب، والإيمان بها واجب في غير تكييف، والسلامة في إمرارها كما وردت مع اعتقاد أن الله سبحانه ليس كمثله شيئ”. فلما وقف على هذه الحقيقة الإسلامية وآمن بها، انبرى لمناظرة المعتزلة في فساد ما ذهبوا إليه من تأويل الصفات وصرفها عن مدلولاتها.
وأصبح الكلام عن عقيدة الأشعري سائدا في الأوساط العلمية، وكأنها عقيدة متميزة عن غيرها من العقائد. وهذا ما يلح علماء المغرب على الترويج له. غير أننا نحن نراه مجافيا للحقيقة. يكفي التساؤل عمن كانوا صفاتيين؟ أو عمن كانوا خصوما للمعتزلة في تأويلهم لصفات الله، إلى حد نفيهم لها كما وردت في القرآن الكريم. بل ذهبوا بخصوصها إلى اعتماد رأي أنبادقليس القائل بأنها هو سبحانه، أو أنه هي بعبارة أخرى، بحيث إن المعتزلة هنا مجرد مقلدين إمعة؟؟؟
وحتى إن ظل أبو الحسن لسنوات واحدا من المعتزلة، فإن انفصاله عنهم لم يؤد إلى إنشاء تصور آخر عنده للعقيدة السنية، وإنما هي منه عودة صريحة إلى مفهومها الحقيقي لدى جده الأعلى، ولدى باقي الصحابة الكرام. فكان أن تحول إلى بغداد، حيث اتصل فيها “بأعلام أتباع الإمام أحمد، فأخلص إيمانه بالله عز وجل، وصفاته، على ما كان عليه سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ص، والتابعين لهم بإحسان، ومنهم الأئمة المتبوعون الآن: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل”.
فصح تفنيد مسمى العقيدة الأشعرية، حيث أننا في المغرب عندما كنا على مذهب أبي حنيفة، لم نكن مرتبطين بعقيدة متميزة عن يقية عقيدة أئمة المذاهب الأربعة المشهورين. وحتى حين انتقلنا إلى تبني المذهب المالكي، لم نغير عقيدتنا التي هي عقيدة أبي حنيفة على وجه التحديد. وعلى افتراض أننا تحولنا من المالكية إلى الحنبلية، أو إلى الشافعية، فإن عقيدتنا لن تتغير، لأننا نتحرك دينيا في إطار مذهب أهل السنة والجماعة، بحيث يكون من باب المنطق أن نعتبر أنفسنا بأننا سنيون، وأننا لم نكن قط معتزليين نفاة الصفات.
أما أبو الحسن الأشعري، فكان معتزليا لفترة، ثم إنه تاب مما كان قد اعتقد صحته ودافع عنه. فلم إذن ندعي أن عقيدتنا عقيدة أشعرية؟ والحال أن الأشعري هو الذي اختار تبني عقيد الصفاتيين، بعد أن اتضح له أن هؤلاء على حق. والحال أن زعمنا بأننا على العقيدة الأشعرية غير صحيح.. إنما الصحيح هو انضمام الأشعري إلينا كسنيين. وإن كان لا بد من الإقرار بفضله علينا، فليكن هو دفاعه عن عقيدتنا بالحجج العقلية، وكأننا كسنيين، لم نكن نستطيع الدفاع عنها ببراهين كافية دامغة. وإن نحن افترضنا أن براهيننا لم تستطع الصمود أمام تفلسف المعتزلة للصفات والقدر والعدل الإلهي، فم الذي نفسر به لجوء الحكام المتبنين للاعتزال، إلى اعتماد القهر والعنف لحملنا على الإقرار بأن القرآن مخلوق؟ أليس اللجوء إلى القوة عنوانا للفشل الذي هو نتيجة للحوار الحقيقي قبل مرسوم 218ه؟ يعني أن الحوار بين المعتزلة وخصومهم من أهل السنة والجماعة كان مفتوحا في بادئ الأمر. لكن الطرف الثاني للحوار لم يفلح في إقناع الطرف الأول (= أهل السنة) بكافة أطروحاته الكلامية في أكثر من قضية؟
ومن غريب الأمر أن المعاصرين من علمائنا حتى الآن، ظلوا متشبثين بأطروحة ابن عاشر الخاطئة القائلة: نحن على فقه مالك، وعقيدة الأشعري، وطريقة الجنيد؟ وهذه أطروحة متجاوزة دينيا وواقعيا، ولدينا على وجوب تجاوزها حجج دامغة. فلا نحن على فقه مالك. ولا نحن على عقيدة الأشعري. ولا نحن على طريقة الجنيد الصوفية. ومن أراد الكافي من البراهين على أكاذيب علماء السلطان عندنا، فليراجع كتابنا الصادر عام 2012م. والذي يحمل عنوان “عن تدبير الشأن الديني والتطرف. أية هفوات وأية مفارقات”.
وحتى إن خرج عن طاقتنا تقديم كل ما يتعلق بالعقيدة الأشعرية، فإننا نحيل قراءنا الكرام على الكتاب القيم للأشعري تحت عنوان “الإبانة عن أصول الديانة”. هذا الكتاب الذي يشتمل على 17 بابا. من بينها: باب الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق”. باب ذكر الاستواء على العرش. باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين. باب الرد على الجهمية (= المعتزلة) في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته. وباب الكلام في تقدير أعمال العباد. إلى آخر باب الكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وهي كلها مقولات من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة. تناولها الأشعري في هذا الكتاب، وأفرغ جهده في الدفاع عنها بحجج عقلية مقنعة.
د.محمد وراضي

تعليقات (0)
اضافة تعليق