بقلم: هشام بلحسين
ما يُسمّى بمشروع غار الجبيلات ليس إنجازًا اقتصاديًا ولا مشروعًا تنمويًا، بل كذبة رسمية كاملة الأركان، يُراد بها تضليل شعب مُنهك واستغباء وعيه. النظام العسكري الجزائري، العاجز منذ ستة عقود عن بناء دولة طبيعية، يحاول اليوم تسويق حفرة في الصحراء على أنها معجزة تاريخية، في مشهد يختصر مستوى الانحدار السياسي والفكري الذي بلغه الحكم.
نظام بدّد عشرات المليارات من الدولارات سنويًا من عائدات النفط والغاز، دون مصانع، دون تكنولوجيا، دون تعليم محترم، ودون صحة تليق بالبشر، يريد إقناع الجزائريين بأن بضعة مليارات إن وُجدت أصلًا ستُحول بلدًا مُعطلًا إلى “قوة اقتصادية”. هذه ليست سذاجة، هذا احتقار صريح لعقول الناس، ورهان وقح على النسيان والخوف.
غار الجبيلات لا يعني سوى شيء واحد: استخراج خام بلا قيمة مضافة، بلا صناعة تحويلية، بلا نقل متطور، وبلا سوق حقيقية. كل ما في الأمر حفارات، وبيانات رسمية كاذبة، وآلة إعلامية مأجورة تبيع الوهم كما باعت قبله “الجزائر القوة الضاربة” و“الإقلاع الاقتصادي” و“الجزائر الجديدة”. النتيجة معروفة سلفًا: لا تنمية، لا وظائف، لا مستقبل.
والأكثر قذارة أن هذا المشروع لم يُطلق بدافع مصلحة الشعب، بل بدافع الهوس المرضي بالمغرب. مشروع سياسي انتقامي، فُرض من أعلى لإشباع عقد جنرالات يعيشون في منطق الحرب الباردة، لا في منطق الدولة. مليارات الدولارات صُرفت فقط لإثبات “نكاية سيادية”، بينما المدارس تنهار، والمستشفيات تتعفن، والشباب يطارد في قوارب الموت.
غار الجبيلات ليس فشلًا محتملًا، بل جريمة اقتصادية مُسبقة التخطيط. جريمة لأن الأموال معروفة المصير، والأرقام مزوّرة، والنتائج معدومة. وكل نظام لا يرى في الثروة الوطنية سوى غنيمة، ولا يرى في الشعب سوى رقم قابل للتخدير، لا يمكنه إلا أن يُنتج الفقر مهما حفر، والخراب مهما ادّعى السيادة.
المشكلة لم تكن يومًا في الحديد ولا في الصحراء. المشكلة في نظام يحكم بعقلية الثكنة، ويدير دولة بعقلية الغنيمة، وأي مشروع يخرج من هذا العقل، لا يمكن أن يكون إلا كذبة جديدة… بثمن باهظ يدفعه الجزائريون وحدهم.