أعادت قضية المحاسبين الذين وجدوا أنفسهم خارج إطار ممارسة المهنة، في ظل مقتضيات القانون رقم 127.12 وتعديلاته، طرح سؤال العدالة المهنية إلى الواجهة، خصوصاً في ظل استمرار مطالب فئة من المهنيين بإيجاد مخرج قانوني ومنصف يراعي المسار المهني والخبرة المكتسبة لسنوات.
وتؤكد هذه الفئة أن الإشكال لا يرتبط فقط بشروط تقنية للولوج إلى المهنة، وإنما يتصل أيضاً بمصير مهنيين راكموا سنوات من التجربة والممارسة، قبل دخول المقتضيات الجديدة حيز التطبيق، معتبرة أن الانتقال إلى نظام قانوني جديد كان يفترض أن يراعي مختلف الوضعيات المهنية القائمة.
بين تنظيم المهنة وحماية المسار المهني
لا يختلف اثنان حول أهمية تنظيم مهنة المحاسبة، وضمان جودة الخدمات المقدمة للمقاولات، وتعزيز الثقة في المعلومة المالية والمحاسبية. غير أن الإشكال المطروح يتمثل في كيفية تحقيق هذه الأهداف دون أن يؤدي التنظيم الجديد إلى إقصاء فئات من المهنيين الذين راكموا تجربة ميدانية طويلة.
ويرى المعنيون بالقضية أن معالجة هذا الملف تستوجب فتح نقاش مؤسساتي هادئ حول شروط الولوج إلى المهنة، ومسألة الانتقال بين الأنظمة القانونية، ومدى إمكانية اعتماد آليات انتقالية أو حلول قانونية تراعي الخبرة المهنية والكفاءة العملية.
القانون بين النص والتطبيق
لقد شكل القانون 127.12 محطة أساسية في مسار تنظيم مهنة المحاسبة بالمغرب، قبل أن تعرف المنظومة تعديلات لاحقة، من بينها القانون و53.19. غير أن استمرار الجدل بين عدد من المهنيين يعكس، في نظرهم، الحاجة إلى تقييم آثار هذه النصوص على أرض الواقع.
فالقانون، مهما كانت أهدافه التنظيمية، يبقى في حاجة إلى تنزيل يحقق التوازن بين حماية المهنة، وضمان الكفاءة، والحفاظ على الحقوق والمراكز المهنية التي تكونت قبل دخول المقتضيات الجديدة حيز التنفيذ.
مطالب بإعادة فتح باب الحوار
وفي خضم هذا النقاش، ترتفع أصوات تطالب بفتح حوار جاد ومسؤول بين القطاعات الحكومية المعنية وممثلي المهنيين، بهدف الوصول إلى صيغة تراعي مختلف الأطراف.
وتتركز المطالب، أساساً، حول مراجعة بعض الشروط الانتقالية، وإيجاد آليات واضحة لتقييم الخبرة المهنية، وضمان تكافؤ الفرص أمام المهنيين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المعايير الضرورية لضمان جودة الممارسة المحاسبية.
قضية مهنية تتجاوز الأشخاص
ويرى المتابعون لهذا الملف أن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين المهنيين والمؤسسات، بل إلى ورش مؤسساتي يبحث عن حلول قابلة للتطبيق.
فالمطلوب، في نهاية المطاف، ليس إضعاف الإطار القانوني المنظم للمهنة، وإنما تطويره بما يضمن المهنية والكفاءة من جهة، والإنصاف والعدالة المهنية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تؤكد هيئة المحاسبين والمحاسبات الحركيين أن مطلبها يتمثل في إنصاف الفئات التي تعتبر نفسها متضررة من الوضع القانوني الحالي، والدفع نحو حوار مؤسساتي يفضي إلى حل عادل ومتوازن.
ويبقى الرهان الأساسي هو الوصول إلى صيغة تجعل من تنظيم المهنة وسيلة للارتقاء بها، لا سبباً في استمرار الإحساس بالإقصاء لدى جزء من المهنيين.
فالعدالة المهنية لا تعني غياب المعايير، كما أن تنظيم المهنة لا ينبغي أن يعني تجاهل المسارات المهنية القائمة. وبين هذين البعدين، تظل مسؤولية المؤسسات والمتدخلين في إيجاد صيغة متوازنة تحفظ للمهنة مكانتها وللمهنيين حقوقهم المشروعة.