بالواضح – عبدالحي كريط
أثارت تصريحات لطبيب فرنسي جرى بثها مباشرة على قناة LCI الإخبارية الفرنسية، أمس الخميس، جدلا كبيرا وواسعا بين مختلف المنابر الإعلامية والشعبية، حيث اقترح ان تكون إفريقيا مسرحا لاختبار لقاح كوفيد 19، حتى يتفادى الأوروبيون الأثار الجانبية للقاح ضمانا لعدم تعرضهم للخطر، الطبيب لم يتوانى في طرح سؤال يحمل بين ثناياه سم عنصري مقيت حيث صرح “هل بامكاننا أن نقوم بهذه التجربة في افريقيا حيث لا يوجد أقنعة طبية أو أسرة انعاش، كما فعلنا من قبل في موجة السيدا حيث جربنا الأدوية على المومسات.
هذه التنظيرات العنصرية والأفكار القروسطوية التي خرج بها الطبيب الفرنسي تدل بشكل قاطع على أن النظام العلماني الليبرالي الفرنسي أضحى مستنقعا لجراثيم ومكروبات علمانية متطرفة (خاصة في الآونة الأخيرة) تمثل صفوة المجتمع الفرنسي ونخبته المتنورة التي كانت دوما ضد الكراهية والعنصرية. ويمكن القول أن النزعة الكولونيالية لازلت ترخي بظلالها على بعض النخب الفرنسية بشكل خاص والنخب الغربية بشكل عام، خاصة مع تنامي خطاب اليمين المتطرف بالقارة العجوز والتي تهدد نظامها الديمقراطي، والذي مر بتحولات جوهرية وقاسية في بلورة نظامه السياسي القائم على المساواة والحقوق بين جميع أطيافه المجتمعية المتنوعة.
تمرير هذا الخطاب وبالتحديد في هذا الوقت، وعلى وسيلة إعلامية إخبارية، وفي هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم بسبب تفشي وباء كورونا، لم يأت من فراغ خاصة مع تصنيف اوروبا كبؤرة عالمية للوباء، وربما تصريحات هذا الطبيب هي جس نبض الانظمة السياسية بالجنوب خاصة في إفريقيا الغربية، المستعمرات التاريخية لفرنسا، التي تعرف استبدادا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لكي تفتح أبوابها لشركات لوبي الأدوية العالمية والبدء في اختبار اللقاحات على شعوب هذه الدول التي لازال ينظر إليها كحديقة خلفية للعديد من دول العالم ذات الماضي الاستعماري الأسود.
وهنا نتذكر مقولة الروائي البريطاني تشارلز ديكنز صاحب رائعة رواية الآمال العظيمة Great Expectations عن التحولات الكبرى في عصره قائلا: «إنه زمن من أفضل الأزمان أو من أسوئها… جميعنا متجهون إلى الجنة أو إلى الجحيم». يعبر هذا الوصف الدقيق عن المرحلة التي نعيشها وبالتحديد أفول الليبرالية العقلانية في زمن الكورونا وانبعاث اليمين المتطرف، وعندما نتحدث عن أفول الليبرالية، نقصد مرحلة التسامح والتلاقي وما يقابلها من الكراهية والانفصال المنبعث من اليمين العنصري المتطرف، كذلك عندما نتحدث عن اليمين المتطرف، ندرك تاريخيته القاتلة ونسترجع ظلاميته الاستعمارية والأكثر تقسيمه للعالم إلى فسطاطين العرق الأبيض والعرق الأسود الأول أهله الله ليكون صاحب السلطة، والثاني سخره الله لخدمه العرق الأبيض، هذا الخطاب اليميني المتطرف لا يظهر الآن ظلاميته، بل يتستر باستقدام خطاب عقلاني يقول بأن أبناء البلد هم الذين يستحقون الحياة ويستحقون خيراته، وأن المهاجرين هم الذين يغيرون ثقافته، ويمتصون ثرواته، وأن من واجب الوطنيين أن يوقفوا هذه المعادلة الضارة بالبلد وتاريخه وثقافته، ولكن هذا الخطاب في الممارسة يفعل عكس ما يقول، وأحيانا برعاية من السلطة الحاكمة لأغراض سياسية واقتصادية بعيدة المدى.
وهذا أيضا ينطبق على بعض الأنظمة الخليجية التي تتعامل بمنطق القبلية في تصنيف الوافدين حتى لو كانوا من نفس الدين واللغة، وقد نسميها اليمين القبلي المتطرف فهو لايختلف عن اليمين المتطرف الغربي وان اختلف في الشكل والمضمون فكلاهما ينهل من نفس المعين الايديولوجي لليمين.
شكون هاد كريط تبارك الله مقال في المستوى
تحليل سانك سانك مقال رائع مثل هذه المقالات هي التي يجب أن تنشر وتشارك في قنواتنا لتعميم الفائدة و عندنا غير الشطيح والرديح في أزمة كورنا