لوموند، جبروت والجزائر: تواطؤ مكشوف

بالواضح – سعد ناصر

لم يكن ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان “أجواء نهاية حكم محمد السادس” حدثاً عابراً في الفضاء الإعلامي، بل جاء في توقيت دقيق، ليكشف مرة أخرى عن الطريقة التي تُستغل بها بعض المنابر الدولية في خدمة أجندات معادية للمغرب. فالمقال لم يحمل معطيات جديدة، بقدر ما استعاد سرديات قديمة وأعاد تغليفها بلغة إيحائية، توحي بوجود أزمة داخلية وشيكة دون سند موضوعي. الأخطر من ذلك أنه شكّل مادة أولية لإعلام جزائري وجد فيه ضالته المعتادة، فاستعان به كحجة إضافية في خطابه المأزوم، بالتوازي مع منصات مشبوهة مثل “جبروت” التي أُقحمت في الحملة لتوفير جرعة من الإثارة المصطنعة. هكذا بدا المشهد مترابطاً، كما لو أنه خُطّ بعناية في كواليس واحدة، حيث تتلاقى المصالح لتقويض صورة المغرب، بينما الواقع يبرهن على متانة الدولة وصمودها أمام كل محاولات التشويش. وهذا المقال يأتي استكمالاً لمقال أمس المعنون بـ”لوموند أمام مغرب واثق: حين تنتهي الوصاية وتبدأ الرواية الذاتية، في متابعة دقيقة للتداعيات والارتباك الذي سقطت فيه الصحيفة الفرنسية.

إن القراءة الدقيقة لما كتبته لوموند تكشف أن الأمر لا يتعلق بتحقيق صحفي جاد، وإنما بنص يحمل علامات الارتباك أكثر مما يعكس جدية التحليل. فقد حاولت الصحيفة في البداية تقديم الملك بصورة متعبة خلال مناسبة عيد الأضحى، قبل أن تنقض روايتها بنفسها عندما أشارت لاحقاً إلى ظهوره العفوي وهو يمارس أنشطته الاعتيادية في شمال المملكة، منفتحاً على المواطنين بابتسامته المعتادة. هذا الانتقال من صورة إلى نقيضها لا يشي إلا بغياب المنهجية وانتصار الرغبة في صناعة رواية مثيرة، وهو ما يجعل النص أقرب إلى تمرين في الإثارة الإعلامية منه إلى عمل صحفي رصين.

وما إن خرج المقال إلى العلن، حتى سارعت وسائل الإعلام الجزائرية إلى تبنيه باعتباره “شهادة فرنسية” على وجود أزمة داخل المغرب. لم يكن الأمر مفاجئاً، إذ اعتدنا على هذا النمط من التوظيف الدعائي، حيث يتم تضخيم أي إشارة خارجية وتحويلها إلى أداة ضمن خطاب معادٍ جاهز سلفاً. في الواقع، تكشف هذه السرعة عن تواطؤ غير معلن، حيث يجد الإعلام الجزائري في بعض المنابر الدولية ذريعة لتغذية سرديته، بينما تقدم هذه المنابر مادة مشبعة بالإيحاءات تضمن لها إثارة المتابعة والجدل. هكذا يلتقي الطرفان في نقطة مشتركة: استهداف صورة المغرب، حتى ولو بالاعتماد على تناقضات لا تصمد أمام أي تمحيص.

وإلى جانب هذا التناغم، برزت منصة غامضة أُطلق عليها اسم “جبروت”، لتضيف بُعداً آخر للحملة. فقد تداولت بعض التسريبات التي قُدمت على أنها تكشف خبايا الداخل المغربي، غير أن محتواها لم يتجاوز إعادة تدوير ما تردده أصوات مأجورة أو منصات فقدت المصداقية. غير أن اللافت لم يكن قيمة هذه “التسريبات”، بل توقيت ظهورها، الذي تزامن بشكل مثير مع نشر مقال لوموند. هذا التزامن يعطي الانطباع بمحاولة خلق موجة إعلامية متكاملة، متعددة المنابع في ظاهرها، موحدة في مقصدها: التشويش على استقرار المغرب، وإقناع الرأي العام الخارجي بوجود أزمة مفترضة.

لكن حين نضع هذه الحملات في ميزان الواقع، تتكشف هشاشتها بسرعة. فالمغرب يواصل مساره التنموي والدبلوماسي بثبات، مدعوماً بمؤسسات قوية ورؤية استراتيجية واضحة. يكفي أن نتأمل حجم التأييد الدولي المتنامي لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء، أو توسع الشراكات الاقتصادية مع إفريقيا وأوروبا، أو إطلاق مشاريع كبرى في الطاقة والبنية التحتية، لنفهم أن صورة المغرب الحقيقية تتأسس على الإنجاز الملموس لا على السرديات المفبركة. وهذه الحقائق الواقعية هي التي تجعل أي حملة إعلامية خارجية محدودة التأثير، لأن الوقائع على الأرض تقوض بسرعة أي محاولة لفرض صورة زائفة.

إن ما يتكرر اليوم ليس جديداً على المغرب. فقد خبر عبر تاريخه الحديث حملات مماثلة، واستطاع أن يحولها في كل مرة إلى فرصة لإبراز صلابته ومتانة جبهته الداخلية. الفرق الوحيد هذه المرة أن أدوات التشويش تنوعت: صحيفة ذات وزن دولي وإن كانت آخذة في الخفوت، إضافة إلى إعلام جزائري مأزوم، ومنصة مجهولة تبحث عن الإثارة. لكن النتيجة لم تختلف كثيراً: خطاب مضطرب، متناقض في تفاصيله، مكشوف في دوافعه، أمام دولة واثقة من قدراتها، ماضية في مسارها بثبات.

المفارقة أن مثل هذه الحملات تكشف في النهاية عن عجز من يطلقها أكثر مما تضعف المغرب. فهي تفضح ارتباك الصحافة حين تلهث وراء الإثارة على حساب المهنية، وتظهر الإعلام الجزائري وهو يكرر الرسائل نفسها حتى فقد القدرة على الإقناع، وتضع المنصات المجهولة في خانة الأدوات الثانوية التي لا تملك سوى إعادة إنتاج روايات مستهلكة. في المقابل، يظل المغرب متمسكاً بروايته الذاتية، المتأسسة على الاستقرار، السيادة، والإنجاز الواقعي، وهي رواية لا تحتاج إلى تلميع لأن حقيقتها تفرض نفسها على الساحة الدولية.

هكذا، يصبح الدرس الأبرز أن الحملات الإعلامية الخارجية، مهما بدا زخمها في لحظة معينة، لا تملك القدرة على زعزعة دولة متماسكة، مؤسساتها راسخة، ورؤيتها المستقبلية واضحة. المغرب اليوم ليس موضوعاً لسيناريوهات خيالية عن نهايات وشيكة، بل نموذجاً لدولة صاعدة، تعرف كيف تواجه التحديات، وكيف تستثمر حتى في الحملات المعادية لتقوية موقعها وتعزيز صورتها. وبينما يظل التواطؤ بين لوموند والإعلام الجزائري ومنصات مثل “جبروت” شاهداً على هشاشة الخصوم، يواصل المغرب طريقه، ثابتاً، منتصراً بروايته الذاتية، وبواقعه الذي لا يمكن إنكاره.

تعليقات (0)
اضافة تعليق