بقلم: د. محمد وراضي
حديثنا عما جرى ويجري في المشرق والمغرب الإسلاميين، هاتان الجهتان الجغرافيتان، كانتا متكاملتين في ظل الإمبراطورية الإسلامية، على عهد الأمويين والعباسيين. كما كانتا تشكلان التآزر والتآخي، في ظل الدول المستقلة تدريجيا عن الإمبراطورية العظمى، حين أخذت الدولة العباسية في التآكل. فالمغاربيون دأبوا على الذهاب إلى المشرق لأداء فريضة الحج والعمرة من جهة، ولطلب العلم لدى المصريين، والحجازيين، والعراقيين، والشاميين من جهة ثانية. فكان التبادل التجاري والثقافي بين الطرفين على أشده،، ولا حواجز تفصل بينهما،، ولا وجود لما يعرف اليوم بالتأشيرة، ولا لجوازات سفر،، حتى مواجهة الصليبيين لم يقف المغاربيون مكتوفي الأيدي والمشارقة وحدهم يواجهونهم بعيدا عن إخوانهم في المغرب الإسلامي،، نقصد ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب الأقصى.
وحتى مع تعدد الدول العربية والإسلامية بعد سقوط الإمبراطورية العظمى، والتي كان يديرها الأمويون والعباسيون، فإن القوانين المعتمدة لدى هذه الدول جميعها هي الأحكام الشرعية العملية، أي أنها كانت مدنية، لا عسكرية ولا همجية؟ يعني أنها كانت خاضعة لما يصح وصفه بالنظام الإسلامي. هذا الذي جرى العمل به إلى حدود خضوع دولنا للاستعمار الأوربي، عندها أصبحنا دولا علمانية، ميزتها إلغاء الأحكام الشرعية. قبل هذه الحقيقة من قبلها، أو رفضها من رفضها ويرفضها؟
وبعد الكفاح المرير والجهاد المستمر الذي قامت به شعوبنا، بمعية ثلة من علمائها ومثقفيها، تحررت من الاستعمار بعد أن قدمت آلاف الشهداء. وتحررها من الاستعمار، هل استفادت منه واقعيا وعمليا حتى الآن؟
حكامنا الجدد الذين فرضوا علينا دون أن ننتخبهم كشعوب، ظلوا على نفس المسلك الاستعماري في حرماننا من مبادئ، يدعى الاستعمار أنها هي المعتمدة عنده لتسيير شؤون بلده (وإن لم يعتمدها في تسيير شؤون بلداننا كمستعمرات). وهذه المبادئ التي كان على الحكام الوطنيين الجدد اعتمادها لأنها من صميم الدين، لا لأنها جديدة علينا، بقدر ما هي جديدة على الغربيين بعد حين من الظلام الدامس؟؟؟ ويتعلق الأمر بالأخوة، والعدل، والحرية، والشورى، والمساواة، والمراقبة، والمساءلة، والتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان؟
وبما أن الاستعمار تعامل معنا مباشرة كشعوب عربية إسلامية في غياب المبادئ الثمانية المذكورة قبله، فإن من تسلموا السلطة منه لمواصلة تسيير دولنا بفلسفة العصر؟ ركبوا متن الدكتاتورية أو الاستبداد المقيت؟ هذا السلوك المجسد للرجعية التي تعني الظلم والجاهلية وكبح الحريات، والإمعان في تجسيد التفاوت الطبقي، والتنكر التام لمبدأ المراقبة والمساءلة، والانتصار لابتزاز شعوبنا ونهب خيراتها من طرف أقلية خادعة، وضعت كافة السلطات في يدها؟
والأقلية الخادعة عبر التاريخ (ولدي كتاب بهذا العنوان)، هي التي مكنت الاستكبار الدولي من فرض إملاءاته علينا. من خلال حكامنا الذين يدعون بأنهم أذكى من كافة مواطني شعوبنا، والادعاء بأننا لم نصل بعد سن الرشد الذي يسمح لنا بفهم ما تعنيه الديمقراطية أوما تعنيه الشورى، فادعوا بأنهم أعرف منا بما يصلح لنا؟ وادعاؤهم هذا ركبته ثلة ممن تولوا الترويج له مقابل السماح لهم بالإثراء الفاحش الذي تعيشه هذه الثلة بالذات، كجزاء لها من الأنظمة القائمة على أساس حمايتها ومدها بفرص البقاء؟ حتى وإن استعملت آلاف الوسائل المحرمة دينا وعقلا، بما فيها الاعتقالات التعسفية وكم الأفواه، والاغتيالات الغادرة، وابتداع تهم محورها العمل على خرق القوانين، وإحداث كل ما من شأنه أن يؤدي إلى القلاقل والاضطربات وأنواع من الفوضى؟
وكان من الطبيعي – والضغوط على الشعوب أدركت ذروتها – أن تقوم بانتفاضات كوسائل للمطالبة بالحصول على كافة حقوقها. وبما أنها لا تواجه إلا بالقمع من خلال تدخل القوات المسلحة في أحوال بعينها، فإن القدرة على التحمل لدى شعوبنا، ينقص مفعولها بقدر ما تتضاعف الإنفعلات والتأففات والاستنكارات. لكن هذه القدرة المقموعة، تظل متأهبة للانفجار بين عشية وضحاها.
وبما أن ما تعرضت له، وتتعرض له شعوبنا العربية، هو نفس ما تعرضت له وتتعرض له الشعوب الإسلامية، فإن شعوب هذا الطرف أو ذاك، سوف تنتفض في أي وقت وحين، مع التذكير بدور المناضلين العلمانيين والإسلاميين الشرفاء، الذين يتولون مسؤولية فضح الحكام كمستبدين، يمارسون بدون ما حياء وبدون ما خجل، اغتصاب حقوق المواطنين، معتقدين بأن أحوالهم سوف تظل كما هي إلى الأبد، بعيدا عن كافة المخاطر المحتملة؟؟؟
فمنطقة الشرق الأوسط التي يسيل مخزونها من البترول والغاز، لعاب الاستكبار الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، كان ولا يزال تحت أنظار المستغلين المستفيدين منه بأبخس الأثمان، فصح أن حكام المنطقة واقعون تحت وطأة الأمريكان الذين يحولون دون العرب والمسلمين، وتحقيق وحدة وتعاون وأخوة وعدالة ومساواة،،، فكان أن أفلح الإيرانيون في إنجاز ثورة موفقة تاريخية بزعامة عالم متدين، على بينة تامة من خيانة شاه شاه محمد رضا بهلوي لشعب إيران المسلم الشقيق،،، ولما نجحت الثورة التي سوف تقلب الأوضاع في العالمين العربي والإسلامي رأسا على عقب، قام الحكام الخليجيون الرجعيون بدعم رغبة الأمبريالية في القضاء على الثورة الإيرانية وهي ما تزال في المهد؟ فقد كان صدام يتلقى دعما مباشرا لوجستيا كاستجابة من المدعمين لادعاءين أمريكيين عريضين: الحيلولة دون امتداد الثورة الإيرانية. وإيقاف المد الشيعي المهدد للمذهب السني. لكن الحملة العراقية معززة بالجهات المذكورة قبله، عرفت بعد ثمان سنوات فشلا ذريعا.. فاقترحت أمريكا تأسيس مجلس التعاون الخليجي للوقوف في وجه الثورة التي لا شك تهدد المصالح الأمبريالية، لا مصالح الدول المجاورة. خاصة وأن الشيعة والسنة حين المقارنة بينهما – نقرر من وجهة نظرنا – أن الأولى تسبح دينيا لا سياسيا في الضلال المبين؟ وأن الثانية مثلها في كل ما يتعلق بالدين على وجه الخصوص؟؟؟