بقلم: أيوب نصر
إن الناظر المتأمل في منهج الخبراء الاستراتيجين، من مفكرين ومحللين، يجدهم يتعاملون مع الأمور وفقا لما هي عليه، وليس وفقا لما يجب أن تكون عليه، ثم يعملون على قياسها على أحداث تاريخية قديمة، وذلك أنهم يستقرؤون مآلات الأحداث الماضية ثم يقيسون عليها الأحداث الحاضرة ، ومن هنا يخلصون إلى تحليلهم ويبنون رأيهم ويقدمون، نظرتهم الاستشرافية، فالأحداث التاريخية عليها مدار الفكر الاستراتيجي والتحليل الاستشرافي.
ولم يخل ديننا الإسلامي من الإشارة، مرة بالتلميح وأخرى بالتصريح، إلى هذا المعنى، ومن هذه الإشارات نجد قوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ)) يوسف 111، وفي الحديث، قوله، صلى الله عليه وسلم: ((إن خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يولونهم))، وذلك أن كل الأحداث التي قد تنزل بالناس، فقد كان مثلها أو شبيهها في القرون الثلاثة الأولى، فإما يحكم بحكمها أو يقاس عليها.
ومن الأمور التي قد تساعد في فهم أحداث العملية العسكرية الروسية، وإذا ما كانت ستؤدي في النهاية إلى قيام قطب أو أقطاب أخرى، أو استمرار الأحادية القطبية، هي البحث عن العلة التي أدت إلى قيام أقطاب وسقوط أخرى عبر التاريخ.
إن أكثر الأشياء دلالة على الدول العظمى، هي قدرتها على التوسع الجغرافي، كما أن بداية النهاية لأي دولة عظمى يكون بانكماشها، ولهذا كان آخر شيء لجأت إليه فرنسا وإنجلترا، للهروب من الدخول تحت العباءة الأمريكية، بعد نهاية الخرب العالمية الثانية، هو المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر، وقد كان فشلهما في ذلك العدوان وهزيمتهما، نهاية لقوتين تقليديتين، وكان أيضا بداية لدخولهما تحت العباءة الأمريكية والتسليم لها بالقيادة.
كما أن بوتين اعتبر سقوط الإتحاد السوفياتي أكبر كارثة استراتيجية في القرن العشرين، مع أن روسيا احتفظت بقوتها العسكرية، ولكن مناطق حكمها تقلصت، ولهذا لم تعد قطبا ولا قوة مؤثرة كما كان الحال أيام السوفيات.
فالذي سيحدد الآن شكل العالم، وهل سيكون أحادي أو ثنائي او متعدد الأقطاب هو قدرة هذه الدول المتصارعة على التوسع، ولكنه ليس توسعا بمعناه التقليدي القائم على استعمار الدول واستباحتها وضمها، بل توسع بمعنى آخر، يقوم على عقد العلاقات وإقامة التحالفات، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، ولهذا نرى كل هذا التهافت على الدول العربية والإفريقية، والصراع عليها ، والذي سيكسب هذه المعركة، هو الذي سيتحكم في الحرب الدائرة حاليا وهو نفسه الذي سيحدد الشكل الذي سيكون عليه العالم، هل أحادي أم متعدد الأقطاب.
وكما سبق وقلت في مقال تحت عنوان: “دور إفريقيا والعالم العربي في حسم الأزمة الأوكرانية ” والذي نشرته صحيفة رأي اليوم اللندنية، أن الذي سينهي هذه الحرب ويدفع أطرافها نحو طاولة المفاوضات، ليست ساحة القتال، وإنما الذي ستكون له قدرة على التوسع في المنطقة العربية والإفريقية.