محمد الدرويش.. تجربة أكاديمية ونقابية في قلب قضايا التعليم العالي

من قيادة النقابة الوطنية للتعليم العالي إلى رئاسة المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، راكم تجربة تجمع بين الدفاع عن الأستاذ الباحث والترافع عن قضايا الجامعة العمومية والانخراط في النقاش حول إصلاح منظومة التربية والتكوين.

لم يكن حضور محمد الدرويش في النقاش العمومي حول التعليم العالي وليد التفاعل مع إصلاح تشريعي بعينه، بل ارتبط بمسار مهني ونقابي ومؤسساتي امتد عبر سنوات، وجعل منه أحد الوجوه المنخرطة في متابعة تحولات الجامعة المغربية والدفاع عن قضاياها.

فالرجل الذي تولى سابقاً مهمة الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي، ويرأس المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، جمع بين تجربة الأستاذ الجامعي ومسؤولية التفاوض بشأن الملفات المهنية للأساتذة الباحثين، وبين الانخراط في النقاش المتعلق بمستقبل الجامعة وحكامة مؤسساتها. وهو مسار أتاح له مقاربة إشكالات التعليم العالي من داخل المهنة، ومن موقع الترافع عن إصلاح المنظومة وتطوير أدائها.

من الأستاذية الجامعية إلى قيادة الترافع النقابي

شكّلت المسؤولية النقابية إحدى المحطات البارزة في مسار محمد الدرويش، الذي تولى الأمانة العامة للنقابة الوطنية للتعليم العالي خلال مرحلة اتسمت بتعدد الملفات المطلبية واحتدام النقاش بشأن الأوضاع المهنية للأساتذة الباحثين.

وفي هذه المرحلة، برزت ملفات الترقية والتسوية الإدارية والمهنية، إلى جانب الحوار مع الحكومة بشأن تحسين الأوضاع المهنية للأساتذة الباحثين. وكان الاتفاق الموقع بين الحكومة والنقابة في 29 أبريل 2011 إحدى المحطات الأساسية في هذا المسار، إذ تناول عدداً من المطالب المهنية التي شكلت موضوع تفاوض بين الطرفين.

وقد تولى الدرويش عرض تفاصيل الاتفاق ومراحل الحوار الذي سبقه، في سياق سعي النقابة إلى انتزاع التزامات بشأن الملفات المطروحة ومتابعة تنفيذها. وهي تجربة تبرز طبيعة المسؤولية النقابية التي اضطلع بها، بما تتطلبه من تفاوض وتدبير للاختلاف وتواصل مع القواعد المهنية.

ولم تكن هذه المسؤولية منفصلة عن سؤال الجامعة ومستقبلها؛ فالدفاع عن الأستاذ الباحث يرتبط، في جوهره، بشروط أداء المؤسسة الجامعية لوظائفها في التدريس والبحث العلمي والتكوين. ومن هنا، تداخلت الملفات المهنية مع قضايا أوسع تتعلق بالحكامة الجامعية ومكانة الموارد البشرية في أي إصلاح يراد له أن يحقق نتائج ملموسة.

وانتهت ولاية الدرويش على رأس النقابة بانتخاب عبد الكريم مدون كاتباً عاماً جديداً في مارس 2013، لتظل التجربة النقابية إحدى المحطات المرجعية في قراءة مساره المهني.

الجامعة المغربية.. إصلاح يتجاوز تغيير القوانين

امتد اهتمام محمد الدرويش بقضايا التعليم العالي إلى الإطار القانوني الذي ينظم الجامعة وآليات تدبيرها، حيث دافع في مداخلاته عن ضرورة مراجعة عدد من المقتضيات المنظمة للقطاع، وربط الإصلاح التشريعي بتطوير الحكامة وتحسين أداء المؤسسات.

ويبرز في هذا التصور أن أزمة الجامعة لا يمكن اختزالها في الموارد المالية أو البنيات التحتية، بل تستدعي أيضاً مساءلة طرق اتخاذ القرار، وتوزيع الاختصاصات، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج فعلية.

وتطرح هذه المقاربة أسئلة جوهرية بشأن استقلالية القرار الجامعي، وأدوار المجالس والمؤسسات، ومكانة الأستاذ الباحث في صياغة السياسات الأكاديمية وتقييمها. وهي أسئلة تتجاوز التعديلات القانونية في حد ذاتها، لتلامس شروط بناء جامعة قادرة على إنتاج المعرفة والاستجابة للتحولات العلمية والاجتماعية.

وتكمن أهمية هذا المنحى في ربط الإصلاح بمضمونه العملي؛ فالنصوص القانونية تحدد القواعد والاختصاصات، لكن نجاحها يظل مرتبطاً بوضوح المسؤوليات، وفعالية التدبير، وتوفير شروط العمل الأكاديمي والبحث العلمي.

القانون 59.24.. نقاش حول مستقبل الجامعة

عاد النقاش حول إصلاح التعليم العالي إلى الواجهة مع مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي أثار بشأنه الدرويش ملاحظات وانتقادات شملت منهجية الإصلاح، وشروط إشراك الفاعلين الجامعيين، والعلاقة بين التغيير التشريعي والملف المطلبي للأساتذة الباحثين.

وفي مواقفه المنشورة خلال سنة 2025، شدد على الحاجة إلى تغييرات عميقة في التشريع والتدبير والحكامة، معتبراً أن تطوير الجامعة لا يتحقق بمجرد استبدال نص قانوني بآخر، بل يقتضي معالجة الاختلالات التي راكمتها الممارسة وتوفير الشروط الضرورية لتنزيل الإصلاح.

وقد دخل القانون رقم 59.24 حيز التنفيذ بعد صدور الظهير الشريف بتنفيذه في فبراير 2026 ونشره في الجريدة الرسمية في الشهر نفسه، وهو ما نقل النقاش من مرحلة تقييم المشروع إلى مرحلة متابعة مقتضيات القانون الجديد وشروط تطبيقه.

وتكتسب مواقف الدرويش في هذا السياق أهميتها من كونها تندرج ضمن النقاش الذي رافق مراجعة الإطار القانوني للجامعة. كما تفتح المجال أمام تقييم أوسع لمدى قدرة التشريع الجديد على تحقيق الأهداف المعلنة، وتعزيز الحكامة، وتحسين ظروف عمل الأساتذة الباحثين، والارتقاء بالبحث العلمي.

فالإصلاح الجامعي الناجح لا يقاس بعدد النصوص التي يجري تعديلها، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في أداء المؤسسات، وجودة التكوين، وشروط إنتاج المعرفة.

العدالة المجالية.. الجامعة حق وفرصة للتنمية

يتجاوز النقاش حول التعليم العالي قضايا التشريع والتدبير الداخلي للمؤسسات، ليصل إلى مسألة توزيع العرض الجامعي ومدى قدرة الطلبة، بمختلف مناطق المغرب، على الاستفادة من فرص متابعة الدراسة.

وفي هذا الإطار، برزت قضية النوى الجامعية التي كان منتظراً أن تسهم في تقريب مؤسسات التعليم العالي من عدد من الأقاليم. وقد عبّر الدرويش عن مواقف منتقدة لتوقيف مشاريع من هذا النوع، مستحضراً ما أثير بشأن الاتفاقيات الموقعة والاعتمادات المرصودة لها.

وتتجاوز أهمية هذا الملف مسألة إحداث بنايات جامعية جديدة؛ فهو يرتبط بتكافؤ الفرص، وتقليص الأعباء التي تتحملها الأسر، والحد من تأثير البعد الجغرافي في المسار الدراسي للطلبة.

فالجامعة ليست مجرد مؤسسة للتدريس، بل يمكن أن تشكل رافعة للتنمية المحلية، ومجالاً لتأهيل الكفاءات، ووسيلة لتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهيناً بالتوفيق بين توسيع العرض الجامعي وضمان جودة التأطير والتكوين والبحث العلمي.

ومن هنا، يندرج النقاش حول النوى الجامعية ضمن سؤال العدالة المجالية، بما يتطلبه من رؤية توازن بين حاجات الأقاليم، والإمكانات المتاحة، ومتطلبات بناء مؤسسات جامعية قادرة على أداء وظائفها بكفاءة.

من الجامعة إلى الفكر والمجتمع

لا يقتصر مسار محمد الدرويش على العمل الأكاديمي والنقابي، بل يمتد إلى المجال الفكري والثقافي. وتوثق فهارس مكتبية صدور كتابين باسمه، هما «لغة النظر ونظار اللغة» سنة 2009، و«سوسيولوجية المجتمع المغربي» سنة 2015.

ويضاف إلى ذلك اشتغاله في مجال النشر الثقافي من خلال إدارة منشورات «فكر» والإشراف على تحريرها، فضلاً عن حضوره في النقاش السياسي والمدني، وعضويته في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفق معطيات منشورة.

ويكشف هذا التعدد عن امتداد اهتماماته إلى قضايا تتجاوز الممارسة الجامعية اليومية، لتشمل اللغة والمجتمع والثقافة والسياسات العمومية. وهي مجالات تتقاطع مع التربية والتكوين في تشكيل الوعي وإعداد الأجيال وفهم التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

ومع ذلك، فإن تقدير القيمة العلمية لمؤلفاته يظل مرتبطاً بقراءة مضامينها وتقييم إسهامها في مجالاتها، مثلما أن تقييم حضوره السياسي والمدني يستدعي استحضار مواقفه وأدواره الموثقة، بعيداً عن الاكتفاء بتعداد المسؤوليات التي تقلدها.

المرصد الوطني.. مواصلة الانخراط في قضايا التربية والتكوين

في مرحلة لاحقة، واصل الدرويش حضوره في قضايا المنظومة التعليمية من موقع رئاسة المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، حيث تناول في مداخلاته عدداً من الملفات المرتبطة بالتنظيم الجامعي والموارد البشرية والحكامة.

ويمنح هذا الموقع مواقفه امتداداً يتجاوز الجامعة إلى منظومة التربية والتكوين في ترابط مكوناتها، من التوجيه والتأهيل إلى التعليم العالي والبحث العلمي. فنجاح الجامعة لا ينفصل عن جودة المسارات التعليمية التي تسبقها، كما أن تطوير التكوين يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات على الاستجابة لحاجات المجتمع والاقتصاد.

ومن هذا المنظور، تتقاطع الملفات التي اشتغل عليها الدرويش حول الأستاذ الباحث والقوانين المنظمة للتعليم العالي وحكامة المؤسسات مع أسئلة أوسع تتعلق بفعالية السياسات التعليمية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.

وهي قضايا تفرض نقاشاً يتجاوز التشخيص إلى التقييم، ويستحضر أثر القرارات على المؤسسات والفاعلين والمتعلمين، مع ضرورة التمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج التي تثبتها الممارسة.

محمد الدرويش.. قيمة المسار في تراكم التجربة

تتضح ملامح تجربة محمد الدرويش من خلال محطات تجمع بين الأستاذية الجامعية وقيادة النقابة الوطنية للتعليم العالي والترافع بشأن الملفات المهنية، ثم مواصلة الاشتغال على قضايا الجامعة من موقع المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، إلى جانب اهتمامه بالفكر والنشر والمشاركة في النقاش العمومي.

وتكمن قيمة هذا المسار في تعدد زوايا مقاربته للتعليم العالي؛ فقد عايش الملفات المهنية من موقع المسؤولية النقابية، وانخرط في النقاش حول الإطار القانوني للجامعة، وواصل تناول قضايا المنظومة التعليمية من موقع مؤسساتي ومدني.

ولا تحتاج الإشادة بتجربة كهذه إلى أحكام مطلقة أو عبارات مبالغ فيها، بقدر ما تحتاج إلى إبراز محطاتها الموثقة، وفهم القضايا التي انخرط فيها صاحبها، وتقدير أهمية الخبرة المتراكمة في قطاع تتشابك فيه الاعتبارات الأكاديمية والمهنية والتدبيرية.

ومع دخول إصلاح التعليم العالي مرحلة تشريعية جديدة، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب التي راكمت معرفة مباشرة بإشكالات الجامعة المغربية، ومن النقاش الذي أثارته بشأن شروط تطويرها والارتقاء بأدائها.

فمستقبل الجامعة يحتاج إلى ذاكرة مؤسساتية تحفظ التجارب السابقة، وإلى حوار مسؤول بين مختلف الفاعلين، وإلى تقييم مستمر لمدى قدرة الإصلاحات على تحسين التكوين والبحث العلمي والحكامة.

ومن هذه الزاوية، يقدم مسار محمد الدرويش نموذجاً لفاعل جمع بين التجربة الأكاديمية والمسؤولية النقابية والانخراط في النقاش العمومي حول التعليم العالي، بما يجعل محطاته المهنية ومواقفه من إصلاح الجامعة جزءاً من النقاش الأوسع بشأن مستقبل التعليم العالي بالمغرب.

تعليقات (0)
اضافة تعليق