بقلم: د. طارق ليساوي
ما من قضية أثارت جدلا و نقاشا واسعا في كل بيت مسلم و غير مسلم مثل قضية الأحكام الخاصة بالمرأة في الإسلام عامة و في القران الكريم خاصة، و شكلت هذه القضية أحد المداخل التي تم توظيفها لتشكيك في عدالة الإسلام ، فأغلب المستشرقين و أعداء الإسلام و من سار على دربهم عن علم أو عن غير علم، حرص على استغلال قضية تعدد الزوجات و ميراثها الذي يبلغ نصف ميراث الرجل بموجب قوله تعالى في محكم كتابه : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء : 11]…
وهذا المقال ليس دفاعا عن حقوق المرأة في الإسلام فما من عاقل او عاقلة ينكر أن الإسلام شرف المرأة وكرمها و جعلهن شقائق الرجال، فالغرب الذي يتشدق برفع شعار حقوق المرأة لم يصل بعد إلى ما شرعه الله من حقوق و سياج يحمي المرأة من الإستغلال الظاهر والباطن، و الإضطهاد و الإمتهان لكرامتها و هضم حقوقها…
وواقع المرأة في أروبا القروسطية و إلى حدود مطلع القرن 20 يؤكد ما أقول. لكن كما يقال “الإنسان عدو لما يجهل”، و للأسف الجهل يمس قطاعات واسعة ممن ينتمون للإسلام بالوراثة، أما أن ينتقد غير المسلم هذا الدين فله عذره، فهو يعتقد عن جهل بأن ماجاء به محمد عليه الصلاة والسلام باطل، و أن ما عليه هو الحق، أو لغاية في نفس يعقوب، لكن سرعان ما يزول الجهل و العداء للإسلام بالعلم و المعرفة، فكم من معادي لهذا الدين أصبح من حماته و أشد المدافعين عنه، وكم من كبار علماء الغرب و خاصة الخاصة فيه إعتنقوا هذا الدين، و أصبحوا من جنده، و هم من هم في مكانتهم العلمية والأكاديمية و الإجتماعية، فمن يعارض الإسلام إلا حاقد أو جاهل ، فالدين الوحيد في العالم الذي لازال ينتشر أفقيا و عموديا هو الإسلام، في الغرب و الشرق و ما كان ليتحقق له ذلك لو أنه ادين باطل أو معادي لحقوق الإنسان و مكبل لحريته و مضر بمعاشه، فالإسلام دين العلم و يحترم العقل، و الله يعبد عن علم لا عن جهل…
و الواقع أن هذه المقدمة فرضتها المناسبة، فكما يقول المناطقة ” المناسبة شرط” ، و المناسبة التي أثارت جدلا واسعا في ربوع العالم الإسلامي و صفق لها الغرب و أعداء الإسلام و الجاهلين به، هو مصادقة مجلس الوزراء في تونس يوم الجمعة الماضي على مسودة قانون الأحوال الشخصية و الذي يتضمن أحكاماً بالمساواة في الميراث بين الرجل و المرأة، و سيحاول هذا المقال تحليل هذه الجزئية المتصلة بالمساواة في الإرث بين الرجل و المرأة، عبر التمييز بين المساواة و العدل، ففي المساواة أحيانا إضرار بحقوق البعض، عكس العدل و هو ما جاء به الإسلام، و لما كان كاتب المقال ليس من المتخصصين في الشريعة والفقه الإسلامي، و لا يدعي الإلمام بالموضوع، و إن كان بحكم تخصصه في الإقتصاد و تدريسه لمادة الإقتصاد الإسلامي ليس بعيدا عن فقه المواريث، على إعتبار أن الإرث أحد أدوات توزيع الثروة في المجتمع و تحقيق العدالة الإجتماعية و تفتيت تركز الثروة في يد الأقلية ، وهو أداة فعالة في خلق دورة إقتصادية حميدة تتعدى المستفدين/ الورثة، لتشمل المجتمع ككل عبر تحفيز العرض و الطلب و الإستثمار وهو في أثره الإقتصادي و الإجتماعي لا يختلف عن الزكاة..
و عليه فإننا سنعالج هذا الموضوع، إنطلاقا من إعطاء نبذة عن و اقع المرأة قبل البعثة المحمدية و في بعض الحضارات و الشرائع الأخرى ، ثم تبيان الفرق بين العدل و المساواة و الغاية من تفضيل الرجل في الإرث في بعض الحالات مع العلم أن المرأة في الغالب ترث مثل أو أكثر من الرجل ، لكن سنكتفي في هذا المقال على واقع المرأة قبل و بعد البعثة المحمدية وواقع المرأة في الغرب قبل اتساع الحركات النسوية المطالبة بتمكين المرأة و تحقيق المساواة مع الرجل، وهل هذه الدعوة لها أساس منطقي و عملي في واقع الأمة الإسلامية؟يقال أن الشيء يعرف بضده ، و حتى يدرك المسلم قيمة هذا الدين و حكمة الشرع، فعليه أن يسلك منهج المقارنة العمودية والأفقية مع باقي الحضارات و الشرائع…لنؤكد حقيقة ان الإسلام أعاد للمرأة كرامتها وشخصيتها و أنزلها مكانة سامقة، لم تكن القوانين الوضعية في ذلك الوقت وصلت و لو لجزء يسير منها..
ففي القوانين اليونانية نجد أن المرأة كانت تدخل ضمن ممتلكات و لي أمرها، فهي قبل الزواج ملك لأبيها أو أخيها، أو من يلي أمرها، و هي بعد الزواج ملك لزوجها، فهي لا تملك حق التصرف في نفسها، لا قبل الزواج و لا بعده، و هي تباع لمن يشتريها و الذي يقبض الثمن هو ولي الأمر..
أما في القانون الروماني فالمرأة لها نفس حكم المجنون أو الطفل فهي فاقدة للأهلية، و كان لرب الأسرة أن يبيع من يشاء من النساء ممن هن تحت ولايته، فالمرأة تظل تحت سلطان و لي أمرها و له حق البيع و النفي و التعذيب و القتل ..
أما في شريعة اليهود فالمرأة بمنزلة الخادم عند بعض الطوائف من اليهود، وتحرم الأنثى من الميراث سواء كانت أما أو زوجة إذا كان للميت ذكور وقد نص على ذلك الإصحاح 21 من سفر التكوين…فقوانين الأحوال الشخصية للإسرائليين تقول” إذا توفي الزوج و لاذكور له، تصبح أرملته زوجة لشقيق زوجها، أو لأخيه من أبيه، و لاتحل لغيره إلا إذا تبرأ منها و رفض الزواج بها…”
أما في أروبا وقت ظهور الإسلام فالمرأة كانت سلعة تباع و تشترى و تقوم بأشق الأعمال بأقل الأجور، فهذا عالم الإجتماع الإنجليزي “سبنسر” يقول في كتابه علم الإجتماع :” إن الرجال كانوا يبيعون الزوجات في إنجلترا فيما بين القرن 5 م و القرن 11..” ..و إلى حدود 1942 كان الزوج في الغرب هو المتصرف في أموال زوجته ، فالمرأة لم يكن لها حق التقاضي، أو حق إبرام العقود، و لاتملك البيع أو الهبة بغير مشاركة زوجها في العقد بموافقة كتابية، فمثلا في سنة 1933 باع رجل إنجليزي زوجته بمبلغ 500 جنيه إسترليني، لكن القضاء ألغى هذا البيع، فهل يستطيع أي مسلم حتى في فترات إنحطاط الأمة وابتعادها عن منهج الإسلام أن يبيع زوجته…مع العلم أن بعض الممارسات التي تتم بحق المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية بعيدة عن حقيقة و روح الإسلام و إنما هي نتاج لتقاليد و الأعراف..!؟
والغاية من هذه المقارنة هو توعية غالبية المسلمين و تنوير بعض دعاة حقوق المرأة ، فالمرأة في أروبا لم تحصل على بعض حقوقها إلى حديثا ، بينما كانت المرأة المسلمة تتمتع بهذه الحقوق و غيرها منذ نحو 14 قرن ، فالإسلام أعطى للمرأة حقوقها التي سلبت، وأعاد لها كرامتها ، و أعطاها الحرية في رفض و قبول زوجها بكامل الحرية، إذ لايتم زواج الفتاة دون استئذانها و موافقتها و بحضور شاهدين، و لها أن توكل والدها و أن ترفض الزوج بل خلعه إذا إستحالت المعيشة…فالمرأة في الإسلام تحتفظ بشخصيتها القانونية المستقلة، و لها حق التملك والتجارة…فالمرأة المسلمة في حاجة إلى إسترجاع حقوقها التي نص عليها القران و السنة وتوسع الفقه الإسلامي في توضيحها، لكن بعضا من هذه الحقوق هُضِمت بفعل القوانين المدنية، و “الدولة المدنية”….
كما أن الخلاف الدائر حول تمكين المرأة و حقوقها مقارنة بالرجال هو نتاج لعدم فهم طبيعة خلق الله تعالى ، فالله عز وجل لم يخلق الرجال و النساء متنافسين على عكس ماهو سائد لدى عامة الناس مسلمين و غير مسلمين، و إنما خُلقا متكاملين أي يكمل كل منهما الأخر و شبه الله تعالى هذا التكامل بالليل و النهار ، فهما مختلفان في الطبيعة، فخاصية النهار الضوء، فهو وقت السعي للرزق و الحركة، و الليل خاصيته الظلمة وهو وقت الراحة والنوم و السكون، فالليل يختلف عن النهار لكن متكاملان في المهمة التي خُلقا من أجلها، وكذلك خلق الرجال و النساء فليس هناك تعارض و إنما هناك تكامل قال تعالى : {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ (4) } [الليل : 1-4]
فالله عز وجل حدد مهمة الرجل و المرأة ، فكلاهما يكمل بعضه بعضا ، فلا الرجل يصلح لمهمة المرأة ” الأساسية” في إنجاب الأطفال و رعاية البيت و تربية الأطفال و رعايتهم، و لا المرأة مهمتها الأساسية السعي للرزق لتوفير لقمة العيش لأسرتها، و إن كانت هناك نساء تعملن و تشتغلن، فإن ذلك خروج عن القاعدة والأصل و قد رأينا أن ذلك كان على حساب وظيفتها الأساسية، و ما تعيشه المجتمعات المعاصرة في الشرق و الغرب، من ظواهر إجتماعية سلبية تدمر المجتمع و تهدد إستقراره، دليل على الإبتعاد عن المنهج السوي ، فتلك سنة الله في كونه بغض النظر عن الإيمان من عدمه ، و من تمام الحياة أن يؤدي كل إنسان مهمته فيها، أما قلب الموازين وتغيير الأدوار و الوظائف فلا يؤدي إلا إلى شقاء الفرد و المجتمع …
فالنقاش حول حقوق المرأة والمساواة مع الرجل في البلاد الإسلامية هو نقاش عقيم، و معركة لا منتصر فيها، ففي البلاد الإسلامية الرجل و المرأة يعانون من ضياع حقوقهم التي أوجبها الإسلام و حماها بسياج من التقديس، فمعركتنا الحقيقية هي العدالة الإجتماعية و الحرية السياسية والمدنية و مكافحة الإستبداد ..معركتنا ضمان الكرامة للجميع رجالا و نساءا، فالإسلام الذي يحارب تحت شعارات مختلفة ، جاء في الأصل لتكريم الإنسان و إخراجه من عبودية العباد لعبودية رب العباد و لا فرق في ذلك بين ذكر و أنثى…
اما ما يحدث من خلاف و تطاحن بدعوى حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، إنما هو فتنة صنعها الحاقدون على أنفسهم و على كل القيم النبيلة التي جاء بها الإسلام ، و الغاية في الغالب الظهور و تحقيق المكاسب الشخصية و إثبات الذات و لو كان ذلك الإثبات على خطأ…
فالمرأة زاحمت الرجل في العمل و الرجل إستسلم لذلك، بل تم دفعها في الغرب لولوج سوق العمل بفعل الحروب المدمرة و الرغبة في يد عاملة منخفضة الكلفة، فما الذي حدث في الغرب حتى نقلده؟ حدث إختلال في المجتمع و تدمير لخلية الأسرة و تضييع لأجيال من الأولاد ذكورا و إناثا ، بل إن في ذلك إضرار بالمرأة وتضييع لحقوقها تحت غطاء المساواة فقد أصبحت المرأة تحمل فوق طاقتها، فهي مكلفة بأعباء البيت و أعباء العمل فهل ذلك من العدل؟ و هل من العدل أن تحرم ملايين النساء من حقها في الأمومة و الأسرة، لأن خروج المرأة للعمل و مزاحمتها للرجل على فرص العمل المحدودة جعل الرجل تحت تأثير الواقع السسيو-إقتصادي أن يعزف عن الزواج مرغما في بعض الأحيان، أو مفضلا للأسف “الخليلة” على الزوجة التي لا تحمله إلتزامات و حقوق عكس الزوجة الملزم بنفقتها و توفير احتياجاتها و إن كانت غنية ،وفق منطوق الشرع الإسلامي الذي كرم المرأة و حماها، فدعوة المساواة تجانب ميزان الحكمة والعدل الذي جاء به الإسلام …
لذلك سيحاول المحور الموالي التمييز بين مفهومي العدل و المساواة و توضيح سوء الفهم لدى أغلب الناس حول ميراث المرأة، و توضيح أن هذا النقاش غير ذي جدوى في المجتمعات المسلمة، فالمرأة أكبر الخاسرين من المساواة في الميراث، لأن القاعدة أن ترث المرأة مثل أو أكثر من الرجل ، و الاستثناء أن يرث الرجل أكثر مما ترث المرأة، و نظرا لطبيعة الموضوع و إحتياجه للتفصيل و التوضيح، سنخصص له مقالا مستقلا ان شاء الله .. و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…
إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..