مسلسل “الشيخة” في رمضان..

بقلم: يونس فنيش
الموضوع قد يعتبر شائكا ومفخخا، فقد يكون مجرد موضوع مفتعل للإلهاء عن مشاكل اقتصادية شتى كغلاء الأسعار وتجميد الأجور والرفع من سن التقاعد وخفض المعاشات، وعن مشاكل الإدارة وضرورة إصلاحها، مثلا، كما أنه موضوع لا يمكن الإستمرار في تجنب معالجته خوفا من سوء الفهم وإلا لطغى ولانتصر الفكر الواحد ولغاب النقاش المثمر والرأي الحر الموضوعي المفيد.

أولا ولضمان تبادل فكري هادىء رزين بين الجهتين، لابأس أن نستهل الكلام بأن “الشيخات” لسن كلهن سيئات ولسن كلهن طيبات، فالله وحده شاهد على مدى سلامة القلوب وهو الرحيم بعباده. طيب.

الأستاذ ياسين العمري كان على حق لما أبدى برأيه منتقدا مسلسلا رمضانيا تبين له أنه مسلسل قلب المفاهيم وجعل “الشيخة” قدوة حسنة، في حين أن الواقع يقول بأن الشيخة في المخيال الجمعي المغربي “ليست فقط مغنية في الأعراس، بل أيضا إنسانة سلكت الطريق الخطأ لأنها تعمل أساسا في الحانات والملاهي والكباريهات إلى ما بعد منتصف الليل، فكيف لها أن تكون لها أسرة سوية مثلا؟”.

وبطبيعة الحال وبصفة عامة، لا يمكن الحكم على أي أداء فني معين فقط بالإستناد على آراء الغير، فليس من سمع كمن رأى، إذ لابد من تفحص الإبداع الفني مباشرة، ولكن في هذه الحالة الموضوع واضح وعام يتعلق بمفهوم “الشيخة” ودلالاته في عمق المجتمع المغربي.

فلكل غاية مفيدة، لا تهم الإجابة عن سؤال هل يجب محاولة تحسين صورة “الشيخة” في المجتمع أو نبذها وعزلها والتسلط عليها بأقدح النعوت، لأن وحده الواقع، الواقع فقط يعلو، فمن من المغاربة الميسورين وغير الميسورين، مثلا، يتمنى أن تمتهن ابنته مهنة “شيخة” بالمواصفات المتعارف عليها في أوساط المجتمع، ولو كان يتمتع بعروض الشيخات ورقصاتهن؟ حسنا.

مسلسل “الشيخة” الرمضاني كان سينال ربما إعجاب المربين والمعلمين والأساتذة والمثقفين المعتبرين لو عالج مثلا “شخصية شيخة قبيحة سيئة تابت توبة نصوحا قبل أن تتزوج وتنجب أطفالا وتحسن تربيتهم”، علما أن النجاح الحقيقي لكل عمل فني يقاس برأي الأساتذة الموضوعيين الذين يهتمون بوقع الأداء الفني على الأجيال، ولا يقاس بعدد المشاهدين والفضوليين وعامة الناس المستهلكين لكل ما يقدم لهم من أعمال لتزجية الوقت وللتسلية دونما تفكير عميق في القيم المبدئية المراد تمريرها.

لابأس من تفهم وضعية “الشيخات” وظروفهن والتطوع للدعاء لهن بالهداية كسائر الناس، ولكن لا يمكن أن نجعل منهن قدوات للمجتمع لأن التركيز على اللهو وحده لا يشحذ الهمم ولا يصنع الأمم، بل العمل الجاد هو سبيل النجاح والفلاح.

لسان حال الضمير الجمعي يقول بأن هناك الأولياء الصالحين يعلمهم الله وحده. وهناك، مثلا، من يشرب الخمر. وهناك من يدمن الخمر والقمار. وهناك من يدمن الخمر والقمار، والنميمة والغيبة معا. وهناك من يدمن الخمر والقمار والنميمة والغيبة، والزنى أيضا وهلم جرا. فالذنوب درجات وتراكمات، فمن يشرب الخمر وحده ولا يؤذي غيره أقل سوء من الذي يجره الخمر إلى اقتراف ما يلي في لائحة المحرمات. وما على المرىء سوى طلب العفو والعافية والمغفرة وحسن الخاتمة. والباقي كلام فاضي.

كلمة “شيخة” في المخيال الجمعي المغربي تحيل إلى الحانات والملاهي والخمر والقمار وما إلى ذلك، فلا يمكن حجب الشمس بالغربال، مع أن كل تعميم مرفوض، ولكن واقع الحال يفرض نفسه. ولذلك فمعالجة موضوع “الشيخة” لا يستقيم مع محاولة تحسين صورتها لدى عامة الناس، لأن ذلك سيعتبر عنفا فكريا غير مقبول لدى الأغلبية الساحقة الصامتة ولو تابع المسلسل ملايين المشاهدين، لأن عدد المشاهدين ليس بالضروري معيارا لمعرفة نسبة الإعجاب بل قد يكون العكس هو الصحيح، يعني مجرد متابعة غاضبة لما آل إليه الإنتاج التلفزيوني أو لمعرفة ربما توجهاته الجديدة… والله أعلم.

و تبقى الإشارة إلى أن المتحدثين في الدين من باب الدعوة عبر قنوات المواقع الإجتماعية ليسوا كلهم منزهين أو أولياء صالحين، فلقد شهدنا كيف استغل بعضهم الدين للفوز بأصوات الناس ونيل المناصب والجاه، وقد يكون هم آخرين تحقيق أكبر عدد من المشاهدات من أجل مراكمة الأرباح المادية، والله أعلم. ولكن كيفما كان الحال وكانت الأحوال، المجتمع المغربي الأصيل في عمقه لا يقبل انتشار التفاهة وقلب الحقائق أو التلاعب بمفهوم القدوة الحسنة.

وختاما، الرأي أن رمضان شهر الرجاء في المغفرة والعفو، وبالتالي من الأحسن الالتزام خلاله بعرض برامج وأفلام ومسلسلات تقوي الإيمان وتساعد على التشبث بالأخلاق الحسنة، احتراما لأجواء هذا الشهر الفضيل ولهوية المجتمع المغربي الأصيل. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق