منظومة التعليم بين طموح “القانون الإطار” ومطارق المجلس الأعلى للحسابات: تشخيص لأزمة “جودة” لا أرقام

بقلم: د. يوسف الغزيزال
تضع ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات في تقريره الأخير (2024-2025) منظومة التربية والتكوين في المغرب أمام مرآة الحقيقة؛ فهي بمثابة تشخيص استراتيجي يضع اليد على “مكامن الوهن” في جسد المدرسة العمومية. وبالرغم من الطفرة النوعية التي حققتها المملكة في تعميم التمدرس وتقليص الفوارق المجالية والجندرية، إلا أن هذا الإنجاز الكمي لا يزال يصطدم بـ “أزمة جودة” حادة، تجعل من الفجوة بين النوايا التشريعية الطموحة للقانون الإطار 51.17 والواقع الميداني، مسافة شاسعة تستوجب التأمل.
عقدة الجودة وهدر الموارد
يكشف تقاطع تقارير المجلس مع مقتضيات القانون الإطار عن مفارقة صارخة؛ فالمادة الثالثة من القانون تنص على تحقيق “الإنصاف وتكافؤ الفرص”، إلا أن معدلات الهدر المدرسي ما تزال تستنزف الجهود، خاصة في مستويات الانتقال بين الأسلاك. هذا النزيف يعكس “ضعف الأداء الداخلي” للمنظومة، حيث يتحول الاستثمار في التعليم إلى جهد غير منتج بالقدر الكافي للتنمية، نتيجة تدني مستويات التعلمات الأساس. إن المعركة اليوم، كما يراها المجلس، ليست معركة “أرقام وتسجيل”، بل هي معركة “استحقاق وبيداغوجيا” تضمن حق الطفل في تعليم حقيقي لا صوري.
حكامة القرب.. من المركزية إلى الشراكة الاستراتيجية
في قراءة لدعوة المجلس إلى إرساء “حكامة للقرب”، يظهر جلياً أنها تنسجم مع توجهات الجهوية المتقدمة. فلم يعد مقبولاً تدبير قطاع بهذا التعقيد بمركزية مفرطة. إن دمج الجماعات الترابية وجمعيات المجتمع المدني في تدبير ملفات كالنقل المدرسي ودعم الإيواء (دور الطالب) والمدارس الجماعاتية، لم يعد ترفاً تنظيمياً بل ضرورة بنيوية. يتطلب هذا الانتقال تحويل الفاعل المحلي من “مساهم مناسباتي” إلى “شريك استراتيجي” عبر هيكلة قانونية تنهي حالة “التشتت التدبيري” التي تبتلع الموارد وتشتت المسؤوليات بين الأكاديميات والجماعات.
خارطة الطريق والمجلس الأعلى: تقارب التشخيص وفجوات التنفيذ
عند مقارنة ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بخارطة طريق الإصلاح (2022-2026)، نجد تقارباً في رصد العوائق، لكن مع التنبيه لـ “فجوات تنفيذية” تهدد الأهداف المسطرة. فبينما تراهن خارطة الطريق على “ثلاثية التلميذ والأستاذ والمؤسسة”، يشير تقرير المجلس إلى غياب “النسقية”؛ حيث يتم التركيز غالباً على الوسائل المادية (بناء الحجرات، توفير الحافلات) مع إغفال “الأثر البيداغوجي” لتلك الوسائل.
مكامن الخلل: حيث يسكن “شيطان” التفاصيل
تتجلى أبرز النقائص في تعثر ملف “التربية الدامجة” وقصور مرافقة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن تحول “التوجيه المدرسي” إلى إجراء إداري جاف بدلاً من أن يكون “مشروعاً شخصياً” يربط التلميذ بسوق الشغل. كما تبرز إشكالية “المدارس الجماعاتية” التي، رغم أهميتها، تعاني من خلل في “التدبير المندمج”؛ إذ تفتقر للتنسيق المستدام مع الجماعات، مما يضع عبئاً إدارياً ثقيلاً على كاهل المدير يصرفه عن مهامه التربوية الأصلية.
إن هذا “الثقب الأسود” في الحكامة والتقييم يثبت أن الخلل ليس في “ماذا نفعل” (المخططات)، بل في “كيف نضمن الوصول” (التنفيذ). إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بـ “مهننة” القطاع وتأهيل العنصر البشري، والانتقال من منطق “المحاسبة على الإجراءات” إلى “المحاسبة على النتائج والأثر”، لضمان أن تظل المدرسة العمومية رافعة حقيقية للارتقاء الاجتماعي.

تعليقات (0)
اضافة تعليق