من جراح وادي المخازن الى افق لاغوس الدبلوماسية الثقافية جسرا بين ضفتي الاطلسي

بقلم: مصطفى شكري

في قلب البرتغال الساحلية وبينما تتنفس مدينة لاغوس عبق المحيط الاطلسي يستوقفك في مركزها النابض لافتة تحمل اسما مغربيا بامتياز شارع القصر الكبير Rua de Alcacer Quivir ليست هذه التسمية مجرد اجراء تنظيمي لخرائط غوغل ماب او لوحة معدنية صماء بل هي بيان سياسي وثقافي مكتوب بلغة الاعتراف وترجمة حضارية لارادة بلدين قررا تحويل ندوب التاريخ الى جسور للمستقبل

تفكيك الذاكرة حين ينتصر الحوار على الصراع
لا يمكن فهم دلالة وجود اسم القصر الكبير في جغرافية البرتغال دون استحضار معركة وادي المخازن 1578م تلك الملحمة التي جرت فصولها بالقرب من المدينة المغربية ولم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل كانت زلزالا جيوسياسيا غير خارطة القوى في غرب المتوسط

اليوم وبعد قرون من ذلك الصدام يقدم المغرب والبرتغال نموذجا استثنائيا في ادارة الذاكرة فبدلا من حبس العلاقات في قفص الضغينة التاريخية اختارت لاغوس والقصر الكبير عبر اتفاقية التوامة صياغة خطاب جديد ان استحضار المعركة اليوم لا يتم بروح الانتصار او الهزيمة بل بمنطق المصالحة التاريخية انه اعتراف بان التاريخ المشترك مهما بلغت قسوته يظل رحما ولودا لفرص التعايش اذا ما توفرت الارادة السياسية الواعية

الدبلوماسية الثقافية القوة الناعمة كخيار استراتيجي
تثبت هذه المبادرة ان الدبلوماسية الرسمية رغم اهميتها في تدبير الملفات الاقتصادية والسياسية تظل باردة ما لم تسكنها الروح الثقافية ان شارع القصر الكبير في لاغوس هو تجسيد حقيقي لما يعرف بالدبلوماسية الناعمة التي تستثمر في الرموز والقيم المشتركة

تبادل الرموز عندما تطلق مدينة برتغالية اسم مدينة مغربية على احد شوارعها فهي تبعث رسالة الى المواطن البرتغالي والسائح العالمي بان المغرب ليس الاخر البعيد بل هو جزء اصيل من السردية البرتغالية

التراث البحري المشترك يشترك البلدان في ارث اطلسي ضخم حيث كانت الموانئ قديما مراكز للتجارة بقدر ما كانت منطلقا للاساطيل هذا الارث يتحول اليوم الى مشاريع سياحية وثقافية مشتركة تعيد الاعتبار للانسان الاطلسي

من التاريخ الثقيل الى المستقبل المشترك
ان الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد التسميات انه يتعلق بكيفية بناء ثقافة السلم اننا امام ضرورة ملحة لتحويل المحطات التاريخية الفاصلة الى مادة للبحث الاكاديمي الرصين وللانتاج الفني والسينمائي الذي يقرب الرؤى

التاريخ لا يجب ان يكون قيدا يكبل حركتنا نحو الاخر بل مرآة نرى فيها اخطاء الماضي لنتجنبها ونقاط القوة لنبني عليها

ان النموذج المغربي البرتغالي في تعزيز الروابط بين القصر الكبير ولاغوس يمثل درسا في العلاقات الدولية فهو يؤكد ان الشعوب التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالماضي هي وحدها القادرة على بناء مستقبل يسوده الاحترام المتبادل

خاتمة رسالة امل من ضفاف الاطلسي
ختاما ان المرور عبر شارع القصر الكبير في لاغوس يمنحنا شعورا بالفخر والمسؤولية في ان واحد فخر بمدينة مغربية ضاربة في عمق التاريخ ومسؤولية الحفاظ على هذا الزخم الدبلوماسي والثقافي

هذا الشارع هو رسالة للاجيال القادمة في كلا البلدين مفادها ان الجغرافيا التي فرقتنا يوما بالحروب هي نفسها الجغرافيا التي تجمعنا اليوم بالقيم الانسانية والمصالح المشتركة انها دعوة لنشر قيم الانفتاح وتكريس صورة ايجابية للمغرب كارض للحوار وللبرتغال كشريك استراتيجي يتقن فن الوفاء للذاكرة

ان شارع القصر الكبير في لاغوس ليس نهاية الطريق بل هو البداية لمسار طويل من التعاون الذي يجعل من الثقافة قاطرة للتنمية ومن التاريخ جسرا لا ينقطع.

تعليقات (0)
اضافة تعليق