بقلم: سعيد الياسمني (.)
لم يعد محو الأمية في عالم اليوم مقتصرا على تعليم القراءة والكتابة والحساب؛ فقد اتسع مفهومه ليشمل قدرة الإنسان على فهم محيطه، والتفاعل معه، والاستفادة من التحولات التي يشهدها المجتمع. وفي مقدمة هذه التحولات يبرز الانتقال الرقمي الذي أعاد تشكيل طرق التواصل والتعلم والعمل والحصول على الخدمات والمعلومات.
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو: كيف نوظف التكنولوجيا في برامج محو الأمية؟ بل أصبح أكثر عمقا: كيف نجعل من محو الأمية مدخلا حقيقيا للإدماج الرقمي، ومن التكنولوجيا وسيلة لتحرير طاقات المتعلمين الكبار، لا مجرد واجهة حديثة لبرامج تعليمية تقليدية؟
إن هذا التحول يفرض علينا إعادة التفكير في فلسفة برامج محو الأمية، وفي طبيعة الكفايات التي ينبغي أن يكتسبها المستفيدون، كما يفرض مراجعة أدوار الميسرين والمكونين، وتطوير المقاربات البيداغوجية والأندراغوجية المعتمدة في أقسام تعليم الكبار.
محو الأمية في المغرب: تقدم مهم وأسئلة جديدة
تظهر المؤشرات الرسمية أن المغرب حقق تقدما في مجال محاربة الأمية خلال السنوات الأخيرة. فوفق معطيات الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية المستندة إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، تراجع معدل الأمية إلى 24.8 في المائة، مقابل 32.2 في المائة سنة 2014. غير أن هذه النتيجة الإيجابية لا ينبغي أن تحجب استمرار التفاوتات؛ إذ يبلغ المعدل 38 في المائة في الوسط القروي، مقابل 17.3 في المائة في الوسط الحضري، كما يصل إلى 32.4 في المائة لدى النساء، مقابل 17.2 في المائة لدى الرجال.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم التحدي التعليمي، بل تكشف أيضا عن ضرورة تطوير الاستجابة له. فالمتعلم اليوم لا يحتاج إلى اكتساب مهارات القراءة والكتابة فحسب، بل يحتاج كذلك إلى القدرة على التعامل مع محيط أصبح جزء كبير من خدماته ومعاملاته وتفاعلاته يمر عبر الوسائط الرقمية.
إن الشخص الذي يستطيع قراءة نص بسيط، لكنه لا يستطيع الاستفادة من خدمة إدارية إلكترونية، أو البحث عن معلومة موثوقة، أو التواصل بأمان عبر الإنترنت، يظل أمام شكل جديد من أشكال الإقصاء. ومن ثم، فإن محو الأمية في القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يتجه نحو بناء كفايات متكاملة تجمع بين القراءة والكتابة والحساب، والثقافة الرقمية، والتفكير النقدي، والقدرة على التعلم المستمر.
التطبيق الإلكتروني ليس هو الإدماج الرقمي
مع انتشار التطبيقات والمنصات التعليمية، أصبح من السهل نسبيا إنتاج محتويات رقمية موجهة إلى المستفيدين من برامج محو الأمية. وقد تبدو هذه الخطوة في ظاهرها دليلا على تحديث البرامج وتطوير وسائل التعلم. غير أن السؤال الجوهري يظل قائما: هل يكفي أن نضع تطبيقا في هاتف المستفيد حتى نعتبره مندمجا في العالم الرقمي؟
الجواب، بطبيعة الحال، هو لا.
فالتطبيق، مهما بلغت جودة تصميمه، يظل أداة من بين أدوات متعددة، ولا يمكن أن يعوض وحده التكوين والمواكبة والتفاعل الإنساني. وقد يمتلك المستفيد هاتفا ذكيا، لكنه لا يعرف كيف يستعمله لأغراض تعليمية أو مهنية أو إدارية. وقد يتمكن من فتح تطبيق تعليمي، دون أن يمتلك القدرة على البحث المستقل، أو التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، أو حماية معطياته الشخصية.
لذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة:
الرقمنة: تحويل المحتوى والموارد التعليمية إلى صيغ رقمية.
التعلم الرقمي: استخدام الأدوات والمنصات الرقمية لاكتساب المعارف والمهارات.
الإدماج الرقمي: تمكين الفرد من استخدام التكنولوجيا بوعي واستقلالية وأمان، بما يساعده على المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمدنية.
إن الخلط بين هذه المستويات قد يؤدي إلى اختزال مشروع الإدماج الرقمي في توفير تطبيقات أو أجهزة، بينما جوهره الحقيقي هو بناء قدرة الإنسان على الاستفادة من التكنولوجيا في حياته اليومية.
الأندراغوجيا: مدخل أساسي لتعليم الكبار في البيئة الرقمية
إن نقل التعليم إلى الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يعني نقل الدرس التقليدي من السبورة إلى شاشة الهاتف. فتعليم الكبار له خصوصياته التي تستدعي اعتماد مقاربة أندراغوجية تراعي طبيعة المتعلم البالغ، وتجربته الحياتية، وحاجاته العملية، وإيقاع تعلمه.
فالمتعلم الكبير لا يدخل قسم محو الأمية وهو صفحة بيضاء؛ بل يحمل معه خبرات مهنية وأسرية واجتماعية، ومعارف اكتسبها من الحياة اليومية. وقد يكون قادرا على تدبير شؤون أسرته أو ممارسة نشاط تجاري أو فلاحي، لكنه يواجه صعوبة في قراءة وثيقة أو استعمال خدمة إلكترونية.
ومن هنا، ينبغي أن تنطلق العملية التعليمية من واقع المتعلم وحاجاته، لا من افتراضات جاهزة حول ما يحتاج إلى تعلمه.
فبدلا من الاكتفاء بتدريبه على قراءة كلمات معزولة، يمكن أن يتعلم قراءة رسالة هاتفية وفهم مضمونها. وبدلا من تقديم الأعداد في تمارين مجردة، يمكن توظيفها في حساب مصروف الأسرة أو ثمن المنتجات. وبدلا من تقديم درس نظري حول التكنولوجيا، يمكن تدريبه على استخدام الهاتف في البحث عن معلومة صحية أو تعليمية موثوقة، أو التواصل مع مؤسسة، أو الاستفادة من خدمة رقمية مناسبة.
بهذا المعنى، تصبح التكنولوجيا جزءا من سياق التعلم، وليس موضوعا منفصلا عنه. كما يتحول المتعلم من متلق للمحتوى إلى فاعل يوظف ما تعلمه في حياته اليومية.
الميسر: من ناقل للمعرفة إلى مرافق في رحلة التحول الرقمي
إذا كانت التطبيقات والمنصات تمثل الأدوات، وكان المتعلم هو محور العملية التعليمية، فإن الميسر أو معلم قسم الكبار يظل أحد أهم شروط نجاح هذا التحول.
فلا يمكن الحديث عن إدماج رقمي حقيقي دون إعادة النظر في تكوين الميسرين وتأهيلهم المهني. إذ لم يعد كافيا أن يمتلك الميسر القدرة على شرح الحروف والكلمات، بل أصبح مطالبا بتطوير كفايات جديدة تساعده على مواكبة التحولات الرقمية وتوظيفها تربويا.
ويتطلب ذلك تكوينا متكاملا يشمل:
الكفايات الرقمية الأساسية: استعمال الأجهزة والمنصات، وتدبير الموارد الرقمية، والتعامل مع التطبيقات التعليمية.
الكفايات الأندراغوجية: فهم خصوصيات تعلم الكبار، وتكييف الأنشطة مع حاجاتهم وخبراتهم وإيقاع تعلمهم.
الثقافة الإعلامية والمعلوماتية: مساعدة المتعلمين على البحث عن المعلومات وتقييم مصادرها والتمييز بين المعطيات الموثوقة والمحتويات المضللة.
الأمن الرقمي: التوعية بحماية المعطيات الشخصية، وتجنب الاحتيال الرقمي، واستعمال التكنولوجيا بطريقة مسؤولة.
التوظيف التربوي للذكاء الاصطناعي: الاستفادة من إمكاناته في إعداد الأنشطة وتبسيط المحتويات وتكييف التعلم، مع الانتباه إلى حدود هذه الأدوات ومخاطر الاعتماد غير النقدي عليها.
التقييم والمواكبة: قياس مدى انتقال التعلم من القسم إلى الممارسة الفعلية في الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مبادرة معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة، بشراكة مع جامعة شنغهاي المفتوحة، التي أطلقت إطار DELTA، أي التمكين الرقمي من أجل التعلم مدى الحياة والأندراغوجيا التحويلية. ويقترح هذا الإطار أربعة مجالات للكفايات: الممارسة التعليمية، والتمكين الرقمي، ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، والممارسة التحويلية. ومن اللافت أن المغرب يوجد ضمن البلدان المشاركة في هذا المشروع، الذي يستهدف تقوية كفايات مربي ومكوني الكبار وتكييفها مع السياقات الوطنية.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تضع المكون نفسه في قلب التحول الرقمي؛ فالميسر الذي لا يتوفر على التكوين والدعم اللازمين قد يجد صعوبة في توظيف التكنولوجيا بفعالية، حتى وإن توفرت له أحدث الأدوات.
كيف نقيس نجاح الإدماج الرقمي؟
من الأخطاء التي ينبغي تفاديها قياس نجاح البرامج الرقمية بعدد التطبيقات التي تم تطويرها، أو الأجهزة التي تم توزيعها، أو المستفيدين الذين سجلوا في المنصات.
فهذه مؤشرات تتعلق بالوسائل والأنشطة، لكنها لا تكشف بالضرورة عن الأثر الحقيقي على حياة المتعلم.
إن التقييم الجاد ينبغي أن يجيب عن أسئلة عملية، من قبيل:
هل أصبح المستفيد قادرا على استعمال هاتفه لإنجاز مهمة مفيدة بصورة مستقلة؟
هل يستطيع البحث عن معلومة وتقييم مدى موثوقيتها؟
هل أصبح أكثر قدرة على الاستفادة من الخدمات الرقمية؟
هل يعرف كيف يحمي بياناته ويتجنب المخاطر الرقمية؟
هل ساعدته المهارات المكتسبة على تحسين فرصه الاجتماعية أو الاقتصادية؟
هل يستطيع مواصلة التعلم واكتساب مهارات جديدة بعد انتهاء البرنامج؟
إن معيار النجاح الحقيقي ليس أن يفتح المتعلم التطبيق، بل أن يصبح قادرا على توظيف ما تعلمه خارج القسم، دون أن يظل معتمدا بشكل دائم على الميسر.
الخلاصة: التكنولوجيا وسيلة، والإنسان هو الغاية
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه برامج محو الأمية اليوم ليس مجرد إدخال التكنولوجيا إلى الأقسام، وإنما إعادة تعريف الغايات التي تسعى هذه البرامج إلى تحقيقها.
فمحو الأمية الذي لا يفتح أمام المتعلم آفاق المشاركة في المجتمع الرقمي يظل محصورا في جزء من حاجاته المعاصرة. والإدماج الرقمي الذي يكتفي بتوفير تطبيق أو جهاز، دون تكوين ومواكبة وتمكين، قد يتحول بدوره إلى رقمنة شكلية لا تغير واقع المستفيدين.
لقد أصبح من الضروري الانتقال من سؤال: «كم تطبيقا طورنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كم إنسانا أصبح قادرا على التعلم والتواصل والتصرف باستقلالية في العالم الرقمي؟».
وهنا تبرز مسؤولية السياسات العمومية والفاعلين التربويين في بناء منظومة متكاملة، يكون فيها المتعلم محور العملية، والميسر قائدا ومرافقا للتغيير، والتكنولوجيا أداة للإنصاف وتكافؤ الفرص.
فليس الهدف أن ندخل المتعلم الكبير إلى التطبيق، بل أن نمكنه من دخول العالم الرقمي بثقة ووعي واستقلالية. وليس المطلوب أن نرقمن محو الأمية فحسب، بل أن نجعل منه جسرا نحو المواطنة الرقمية والتعلم مدى الحياة.
(.) مهتم بقضايا تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة