في أمسيات ربيعية مفعمة بعبق التاريخ ووهج الإبداع، وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح، احتضنت مدينة سلا فعاليات الدورة التأسيسية الثانية لمهرجان سلا الوطني للارتجال المسرحي، الممتدة من 31 مارس إلى 03 أبريل 2026. هذه التظاهرة، التي نظمتها جمعية “أقنعة الضفتين للتربية والفنون” بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، تحت شعار “المسرح لغة الشباب ومساحة للتعبير”، لم تكن مجرد حدث عابر في أجندة ثقافية، بل جسدت إعلانا صريحا عن ترسيخ مشروع ثقافي متكامل الأركان. وتوزعت الفعاليات بين مركب التنشيط الثقافي والفني سلا تابريكت ودار الشباب المدينة العتيقة، لترسم مسارا يروم مأسسة العفوية، وتحويل الارتجال من مجرد ممارسة هاوية إلى فعل إبداعي رصين يمتلك أدواته الاحترافية ويؤسس لصناعة ثقافية تسمو بالإنسان والمجتمع.
ثقافة الاعتراف
بحضور جمهور غفير ومجموعة من الفنانين والإعلاميين، افتتح المدير الفني الأستاذ محمد حمزة، الدورة بكلمة وسمها التحليل الوجداني والتنظيم الاستراتيجي الدقيق، حيث استحضر ارتباطه بالمدينة وطاقاتها قائلا: “قبل بضع سنوات، فتحت لي مدينة سلا العريقة ذراعيها، فاستقبلتني بدفء يتناغم مع روحي التواقة للجمال. وفي أزقتها المليئة بالتاريخ والحكايات، لمحت عيناي طاقات شبابية تفيض حيوية وحبا للمسرح. كان لزاما عليّ أن أمد يدي لأتقاسم معهم تجربتي المتواضعة، ولنبنيَ معا فضاء حرا تتجلى فيه أجمل احتمالات الإبداع”.
ووضع مدير الدورة الحاضرين في قلب الرهان الحقيقي للمهرجان، مؤكدا بكل حب ووعي أن هذه المحطة هي “اللحظة التأسيسية الحقيقية لهذه التظاهرة”، واللبنة القوية نحو “احترافية شاملة في الممارسة والتنظيم”. ولم يقف عند هذا الحد، بل سطّر الهدف الأسمى المتمثل في “خلق منصة حيوية لتمكين الشباب من التعبير عن ذواتهم ومعانقة شغفهم بأبي الفنون”، مشيرا إلى الإضافات النوعية لهذه الدورة من ورشات تكوينية متخصصة، ولقاء ماستر كلاس، ومباريات مهيكلة.
واختتم كلمته بتوجيه الشكر إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، التي آمنت بهذه الرؤية الشبابية، ودعّمت مسارها “لنرتقي بالمسرح من ممارسة هاوية إلى صناعة ثقافية تسمو بالإنسان والمجتمع”، موجها شكره أيضا لإدارة مركب تابريكت ولكافة الكفاءات والأطر الفنية التي لبّت النداء لتأطير هذه الطاقات الشابة.
تكريم القامة والمسار
في لحظة وفاء باذخة ورسخا لجذورنا الفنية، كرم المهرجان الأستاذ والمبدع عبد المجيد فنيش، اعترافا بقامة فنية باسقة لا تتوقف عن ضخ دماء التجديد في شرايين المسرح والملحون، وإنسان نبيل ظل دوما سندا ومرجعا تنهل منه الأجيال.
وقد التقط المحتفى به الدلالة العميقة لهذه اللحظة، معبّرا في كلمته عن بالغ تأثره وواصفا إياها بأنها “لحظة ذات طعم خاص ودلالات كبيرة”. ولقد فكك الأستاذ فنيش بذكاء سيميولوجية هذا التكريم قائلا: “الجميل في الأمر أن هذا التكريم يأتي من جيل مسرحي فتي لم يكتب لي أن أشتغل معه، جيل في تجربته الثانية استعان بكفاءات من جيلين مسرحيين سابقين”. إن هذا التصريح العميق يمثل توثيقا صريحا لنجاح المهرجان في خلق ذاك التلاحم العضوي بين خبرة الرواد وحماس الشباب، وكسر القطيعة بين الأجيال لضمان استمرارية الممارسة المسرحية بروح متجددة.
وبعد ذلك، عانق التكريم الإبداع عبر تقديم مسرحية “جار ومجرور” لمؤسسة مسرح الأفق بتارودانت. العرض من دراماتورجيا وإخراج المكرم عبد المجيد فنيش، وتشخيص نخبة من الفنانين: رشيدة منار، فاطمة الزهراء بوراس، لمياء خربوش، محمد عزام، أحمد الحبابي، ومحمد حمزة. وقد استطاع العرض أن يخلق حالة من التفاعل الحي والدفء الإنساني، مبرزا تماسك الرؤية الإخراجية.
المحور الأكاديمي والتكويني
إيمانًا بأن الارتقاء بالممارسة المسرحية يمر حتما عبر مسار التكوين، تحولت فضاءات المهرجان إلى مختبرات حية، وتمحورت الدينامية التكوينية حول الشق الأكاديمي للارتجال المسرحي والاهتمام بالناشئة:
• ورشات متخصصة في موضوع “الارتجال المسرحي”: تجسيدا لأهمية التخصص، تمت برمجة ورشتين تكوينيتين انصبتا حصريا على موضوع “الارتجال المسرحي”، وتكاملتا في المنهجية والأهداف:
1. ورشة الأستاذ سعيد عامل: مثلت هذه الورشة استحضارا لروح الريادة، حيث أطرها أحد المؤسسين الأوائل لفن الارتجال بالمغرب (عضو المنتخب الوطني لسنة 1992). وضع الأستاذ سعيد عامل عصارة مساره الإبداعي (المسرحي والسينمائي كفيلم كلادياتور) بين يدي الشباب. استهدفت الورشة تفكيك أدوات التعبير عبر استكشاف آليات الممثل، تطويع الجسد، وتنمية سرعة البديهة لبناء مشاهد تتسم بالصدق الشعوري والعمق الإنساني.
2. ورشة الأستاذ محمد الحوضي: شكلت هذه الورشة حلقة وصل متينة بين الرغبة الشبابية في التعبير والضبط الأكاديمي. استطاع الأستاذ الحوضي، خريج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، أن ينقل وعيه البيداغوجي ليفكك ميكانيزمات التشخيص. اعتمدت الورشة منهجية علمية تتيح للمشارك تحرير مخيلته والتدرب على تقنيات الإصغاء الحي للشريك كركيزة أساسية في فن الارتجال.
• ورشة “الحكواتي الصغير” بإشراف الأستاذ أحمد الحبابي: مساحة استثنائية مفعمة بالبراءة استهدفت الأطفال. لم تكن مجرد نشاط ترفيهي، بل توجها استراتيجيا لربط الأجيال الصاعدة بتراث الحكي الشفهي كجزء من التراث اللامادي، وتنمية المدارك والقدرات التعبيرية، وصناعة جمهور المستقبل المتشبع بقيم الجمال.
الماستر كلاس: مكاشفة التجربة
شهد المهرجان تنظيم لقاء فني مفتوح استضاف الفنانة المقتدرة جليلة التلمسي، وتولى إدارته وتنشيطه مدير الدورة الأستاذ محمد حمزة. ارتكزت هندسة اللقاء على أربع محطات: التأسيس الأكاديمي، الركح المسرحي، سحر الفن السابع والسينما، ثم الدراما والتلفزيون. تحول اللقاء إلى مكاشفة حقيقية تقاسمت فيها الضيفة تحديات البدايات وعمق الالتزام، مما خلق شحنة إلهام عالية. وقد تعزز هذا التدفق الطاقي بالتحاق أطفال ورشة “الحكواتي الصغير” بأطوار اللقاء، في مشهد بليغ يجسد تلاحم الأجيال وتمرير مشعل الفن.
مباريات الارتجال المسرحي
شكلت المباريات بدار الشباب المدينة العتيقة القلب النابض للمهرجان، حيث تبارت ست فرق عكست تنوعا جغرافيا وثقافيا غنيا: Dell arte impro (الداخلة)، Infinity star impro (طانطان)، Izouran impro (أكادير)، Ims impro (القنيطرة)، Art impro (الرباط)، وTikchbila impro (سلا). تولى إدارة المباريات الأستاذ إسماعيل بن غانم كحكم رئيسي، بينما أشرفت لجنة تحكيم متمرسة (الأستاذة زهرة الهواوي، الأستاذ زهير آيت بنجدي، الأستاذ محمد ابن بار) على التقييم. وقد سجلت اللجنة روحا تنافسية عالية وخطابات مؤثرة، وأوصت بضرورة تكثيف التكوينات في مباريات الارتجال واطلاع الممارسين الدقيق على القوانين المنظمة.
تتويج المسار واستشراف الآفاق
أسدل الستار بمركب تابريكت في أمسية استثنائية بلغت فيها الحركية المسرحية ذروتها عبر المباراة النهائية التي جمعت فريقي القنيطرة وأكادير. تخللت الأمسية وصلات غنائية تراثية لفرقة الفنان مصطفى فرحي، أعقبها الإعلان عن النتائج النهائية:
• جائزة الدورة الكبرى: فرقة Izouran Impro (مدينة أكادير).
• جائزة أفضل تشخيص ذكور: حمزة العبد الكريمي (فرقة Ims Impro – القنيطرة).
• جائزة أفضل تشخيص إناث: لمياء وهمي (فرقة Art Impro – الرباط).
وفي الكلمة الختامية، أكد رئيس الجمعية، السيد وديع التازي، أن الارتجال رؤية متكاملة قوامها الإصغاء والتفاعل. وجسد ثقافة الاعتراف بشكر وزارة الثقافة، وإدارة المركب، ومدير الدورة الأستاذ محمد حمزة على تأطيره الذي صقل التجارب، والأستاذ رضى لوزي، مؤسس المهرجان، على رؤيته التي حولت الفكرة إلى موعد وطني.
وقد برهنت الدورة التأسيسية الثانية لمهرجان سلا الوطني للارتجال المسرحي على أن التأسيس لصناعة ثقافية حقيقية يتطلب وعيا وشغفا وإيمانا بقدسية الحلم المشترك. من خلال برمجة متماسكة زاوجت بين التكوين الأكاديمي المتخصص، والتنافس الجمالي، والاعتراف برواد المسرح، وضعت جمعية أقنعة الضفتين قاطرة المهرجان على سكة العمل الاحترافي الجاد. ينتهي هذا الموعد تاركا صدى نجاح باهر، ليؤكد أن الارتجال المسرحي ليس محطة للتنافس العابر، بل مساحة حرة للتلاقي، وأفق فني مفتوح يستشرف المستقبل ويصنع الأمل.