بقلم: عبد اللطيف عسيسو (ع.ع)
تتوخى هذه القراءة، الوقوف عند رواية *كما تشُبُّ النّار * لكاتبها عبدالخالق جييد ، محاولا إماطة اللثام عن بنية العمل من خلال تناول بعض عناصره المكونة له وتحليلها، وصولا لتبيان مكانة هذه الرواية ضمن كُتاب الرواية الذين يكتبون باللغة الفرنسية (الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية)، فبعد عدة كتابات تنوعت بين الشعر والرواية و المقالة ، لم يكن صعبا على الدكتور عبد الخالق جييد، وهو الذي يمسك بأدوات الكتابة الروائية والنقدية كذلك خوض معترك الكتابة الروائية، فكانت روايته الاولى رواية *ضارب الدف *le joueur de tambourin هذا العمل الذي لاقى قبولا على القراءة في الأوساط الثقافية ، اذ استطاع الكاتب عبدالخالق جييد نحت إسمه ضمن خانة كتاب الرواية الذين يكتبون باللغة الفرنسية.
تطمح هذه القراءة إلى تحليل رواية * كما تشُّب النّار*تحليلا فنيا يقوم على إتخاذ النص أساسا للكشف عن خباياه بُغية التعرّف على البِنية العميقة، وتحديد عناصر الشكل، مُتخذين البنيوية بوصفها أسلوبا ومنهجا في العمل، من دون التوقف عندها كمُعتقد.
كرّست القراءة دراستها لمُعالجة ثلاثة عناصر لبِنية الرواية وهي: السرد ومتعة النص وموت الراوي، وكان من المتعذر علينا القيام بدراسة شاملة لجميع المكونات التي تدخل في تركيب هذا الشكل وتعطيه بُعده الجمالي الخاص، مما إضطرنا الى التخلي عن عنصر الشخصية ، لاسيما وان النهج البنيوي يرى في هذا العنصر مجرد كائن ورقي ،وهو ما نختلف فيه معه.
1.السرد:
جاء على ظهر غلاف رواية “كما تشُبُّ النّار““Embrasement“
(في المسيرة المأساوية، شبه حتمية، نحو الكارثة النهائية التي تحركها، تتراكب رحلتان في هذه الرواية المضيئة. رحلة حقيقية الى بعض القرى النائية في المغرب، تكشف لأفراد هذه المجموعة عن الفقر والمعاناة والإقصاء، ولكنهاتكشف أيضا عن التضامن والتعاطف والحب، وربما حتّى الأمل. إنها غوصٌفي عوالم الشخصيات الداخلية تكشف عن تأملات حول الإنسانية في ذاتها وفي محيطها، وفي منفاها الداخلي وفي أحلامها مما يؤدي الى تقاطع حيوات متناقضة، يقوم أسلوب الكتابة الذي يتناوب بين السخرية اللاذعة والسخرية السوداء التي تحرره في بعض الأحيان ليتلفظ الأشياء والكائنات).
تُشكّل جماليات اللغة في رواية *كما تشُبُّ النّار * تجربة السرد من خلال الأسلوب والإيقاع وإختيار الكلمات، مما يخلق تجربة غامرة فريدة، تعتمد على تنوع في مستويات اللغة (الفصحى، والعامية، والرسمية)، والأساليب البلاغية، وأشكال الخطاب الهجينة (الحوارات، والمونولوجات)، مما يسمح للقارئ بإثراء الرسالة أو إستكشاف نفسية الشخصيات.
يتعرّف القارئ على أحداث الرواية من خلال السرد، وهو سرد لحدث أو مُتوالية من الأحداث حقيقية كانت أو خيالية، لقد ضرب الموعد في حانة الأحلام السعيدة …يقول الراوي (ضرب الموعد في حانة الأحلام السعيدة الشهيرة، يكون الزبائن يتقاطرون عليها من مطلع النهار، فمن التاسعة صباحا إلى منتصف الليل ….) سرد بواسطة اللغة وبصفة خاصة لغة مكتوبة، ضمن تسلسل زمني معين، ويقوم الراوي بالفعل السردي، فلا وجود لرواية بدون سارد وتسمى الطريقة او الأسلوب الذي يتخذه الراوي (السارد) الرواية، أحداثالعمل الروائي، المنظور السردي وهو تقنية من تقنيات السرد ومكون من مكوناته الثلاثة:
1- الراوي
المروي–2
المروي له–3
ويُعدُ الناقد الفرنسي“ جان بوين“ من الأوائل الذين فصَّلُوا القول في دراسة المنظور السردي، وحدده في كتابه (الزمن والرواية) مجموعة من الرؤى التي تُمثل علاقة الراوي بشخصياته، وقد أثارت هذه الرؤى اهتمام الناقد تودوروفالذي يرى أنها مظهر من مظاهر العمل الادبي، وخاصة منه الحكاية وتعرض لها بالشرح والتحليل منهجيا منتهيا الى ان يضع رمزا توضيحيا لكل منها:
جون بوين:
الرؤية مع
الرؤية من خلف
الرؤية من الخارج
توضيحات تودوروف:
الراوي يعلم أكثر من الشخصية
الراوي يعلم ما تعلمه الشخصية
الراوي يعلم أقل مما تعلمه الشخصية.
قدم جيرار جنيت تصوره عن المنظور السردي بناءا على المخطط الذي مثَّل عمل بوين وتودوروف مستعيضا عن مفهومي الرواية ووجهة النظر بالتبئير:Focalisation
التبئير الصفر أو اللاتبئير: ويتجسد هذا العمل حيث الراوي العليم يقدم الأحداث ويستبطن دواخل الشخصيات (الكابران علي وميمونة مثال على ذلك)
التبئير الداخلي : الراوي لا يعرف ما تفكر فيه الشخصيات حيث تتساوى معلوماته معها.
التبئير الخارجي: الراوي يعرف أقل مما تعرفه الشخصيات.
وتظل محاولة تقديم إحصاء شامل للمنظور السردي في رواية ” كما تشُبُّ النّار ” محاولة مستحيلة، فالرواية فن ابداعي لا يمكن اخضاعه لآليات التقنين والتقسيم، ويؤكد رولان بارت ذلك بأن (أنواع السرد في العالم لا حصر لها وهي قبل كل شيء تنوع كبير في الأجناس وهي ذاتها تتوزع الى مواد متباينة).
تطرح رواية *كما تشُبُّ النّار * منظورها السردي الخاص، إذ يسعى الراوي الى أن يكون راويا مُتمكنا بارعا فهو يروي بكل حواسه (سرد بكل الحواس) ممّايضفي طابع الدقة والتركيز على السرد، فكل شيء مؤثث في مكانه كسمفونية لا يُدركها النشاز. جاء في الرواية (فأمَّا العيْنَانِ فكانتَا ترُفَّانِ في مرَحٍ )( أمّا السّمع فبدَا واضحا أنّه لم ينْج ُمن أثر الشراب ) ( كانت العينان تستمتعان بما ترَيانِه كما يستمتع طفل منحرف أتيح له ان يطلِّع مُبكِّراً على بؤس الانسان )، فالراوي هنا يكشف عن نفسه ويحدد طريقته في الصفحات الأولى من الرواية ،وهو بذلك يوجه مسار الرواية بالشكل الذي أسماه “جنيت“ الوظيفة البيانية والتصريحية وهي الوظيفة التي يعلن فيها الراوي عن طريق ممارستها عن مصدر خبره ، ويحدد الراوي في رواية “كما تشُبُّالنّار“ مصدر معلوماته عن شخصية “ميمونة “مما تقوله هي بنفسها ( قبل رحيلي بقليل وقع لأختي ما كان يجب ان يقع ، فعادت الى البيت تحمل رُزمة على رأسها ومشروع لقيط في البطن …. )ويقودنا ذلك الى القول بان الرؤية في رواية ” كما تشُبُّ النّار“ هي الرؤية من الخارج ، فالشخصية ( ميمونة ) تعرف أكثر ممّا يعرفه الراوي وهو تبئير خارجي بمفهوم جنيت ، حيث لا يستطيعالراوي التعرّف على دواخل الشخصية بعد أن حدد مصدر معلوماته منها ، إلّاأنّ هذا المفهوم سيتزعزع بعد ان يتقدم القارئ في متابعة أحداث الرواية ، فيجد أن معلومات الراوي تفوق معلومات مصادره التي حددها ، فهو يستبطن دواخل الشخصيات ، ويعرف بماذا تفكر مع نفسها فضلا عن أن صوته يظل طاغيا على امتداد الرواية ممّا يدعونا الى القول بانه راوٍ عليم ، والتبئير في الرواية بدرجة صفر، اذ الراوي يعلم اكثر مما تعلمه شخصياته.
يستهل الراوي العليم سرد أحداث روايته المكونة من 154 صفحة في الحديث عن حانة الأحلام السعيدة في إنتظارالموعد لبداية السفر المأساوي :(زجاجات من النبيذ تتربع كأنها جوائز للمهزومين على موائد متهالكة متسخة يرتادها الناس بحثا عن قشور من المتعة الرخيصة مثل ما يرتادون باقي المشارب الحقيرة التي تتشابه جميعا في المدينة الكبيرة فيحتسون كؤوس الجعة الرخيصة ويتبادلون التعليقات الطويلة حول متاعب حياة الفقر ويتناقلون الإشاعات ……) في رواية ” كما تشُبُّ النّار“، يمتلك الراوي العليم سطوة وهيمنة في السرد فهو يعلم بكل ما يخص شخصياته، وعندما لا يعلم يسأل كما جاء في صفحة 13 من الرواية لما سأل “ميمونة“ ( أما كان لك ان تتدخلي لتضعي حدا لهذا العذاب ؟ فتجيب: أنا؟ وماذا كان بوسعي ان أفعل؟ لقد منعوني من دخول الغرفة 14 ). بل هو في مواضع كثيرة لا يدع الشخصيات تعبرعن أفكارها وتكشف عن وعيها الخاص، فيفكر بدلا عنها، ويطرح ايديولوجيته الخاصة وتَمثََّلَ ذلك في مواضيع كثيرة من الرواية (وان كان لا مناص ان استشف من الماضي بعضا من رحيق لحظات المتعة قبل ولوج عالم الراحة الأبدية ، على حد قول المفكر الشهير باسكال ص 25 .) وفي موضع آخر( تماما كذلك الكائن الخرافي الذي تصَوّره فلوبير يأكل من أطرافه دون أن يدري )وتبدو هذه المقتطفات من الرواية استعراضا لثقافة الراوي العليم، نسميه تناصا وحوارا تتقاطع فيه نصوص اخرى بمفهوم جوليا كريستيفا (لا يوجد نص أصلي ، بل إن أي نص هو تبديلات لنصوص أخرى أو تناصا ،حيث تتقاطع عبارات متعددة من نصوص أخرى وتحيد بعضها البعض.
لا يكتفي الراوي في التفكير بدلا من الشخصيات ، بل يسعى احيانا الى ان يبرز حضوره في النص الروائي ، من خلال التعليق على الأحداث ، فهو كثيرا ما يقطع السرد ليُعلّق على مسألة ما أثارت إنتباهه، يقول مثلا في موضع حديثه عن ” الكابران علي ” :( ينتزع الحياة من هؤلاء الأعداء غير المرئيين الذين يُنازعون بلاده وحدتها الوطنية ، كان مقتنعا بذلك تمام الاقتناع ، ….).تميّز السرد في رواية “كما تشب النار ” بالتركيز على سرد الأحداث، مستخدمةً التفاصيل الحسية، والتطورات العاطفية، والتأمل الصادق وذلك لنقل القراء إلى عوالم أخرى بدلاً من مجرد سرد الحقائق. غالبًا ما تستخدم الرواية التي يكون السفر هو عمودها الفقري منظور الشخص الأول، (ضمير المتكلم) وتجسد الأجواء المحلية، وتركز على موضوع محدد أو نمو شخصي بدلاً من سرد الرحلة بترتيب زمني محدد. لقد سبق ان قلت ان السرد في الرواية هو سرد بكل الحواس، فالراوي في الرواية استخدم كل الحواس الخمس: وصف ما سمعه بدقة، وحتى حاسة الشم والذوق، والعين والسمع وذلك لجعل المشهد حيويًا، وليس فقط ما أبصره، ركز السرد كذلك على التأمل، لأن السرد كان عبارة عن رحلتين.. والرحلة بدون تأمل ليست سوى سياحة؛ فتوثيق كل لحظة، بل التركيز على أبرز اللحظات المؤثرة. كذلك وازن بين أسلوب الكتابة “التصاعدي والتنازلي”: تنقل بين التفاصيل الحسية الدقيقة (التركيز) والسياق الأوسع أو الموضوع العام (الإبتعاد) للحفاظ على سلاسة السرد. تجنب العبارات المبتذلة وابتعد عن العبارات المستعملة في روايات عديدة، لقد نظم الرواية بناءً على تطور مشاعره (الترقب، الصدمة، الفرح، الشوق) بدلاً من الزمن. كما سلط الضوء على الأصوات المحلية، والتقاليد، والحياة اليومية بدلاً من مجرد تجربته الخاصة.
: لذة النص الروائي –2
إن لذة (متعة) النص في رواية *كماتشب النار*، لم تكن إحساسًا واحدًا، بل هي تجربة متعددة الأوجه تنشأ من الانغماس والتحفيز الفكري وآليات اللغة نفسها. وقد ميّز رولان بارت بوضوح بين “نص المتعة” – الذي يُرضي القارئ ويُشبعه – و”نص النشوة” – الذي يُقلق ويُثير التساؤلات، وهذا متوفر في الرواية من بدايتها الى نهايتها المأساوية. تتحقق هذه المتعة أثناء الانغماس الكامل (النص “القارئ”) ، وتتحقق كذلك عندما ننتقل إلى عالم خيالي، مما يسمح لنا بنسيان الواقع . تعمل الحبكة الآسرة كـ “آلة كسولة” (مصطلح من أومبرتو إيكو)، مما يتطلب من القارئ أن يكون “مفتونًا“. كذلك تكمن المتعة في تجربة طيف من المشاعر – الحزن أو الفرح أو الترقب – مما يجعلنا نشعر بحيوية أكبر من روتين الحياة اليومية، تنشأ المتعة في رواية *كما تشب النار *عندما نرى أنفسنا أو مشاعرنا الخاصة في الشخصيات، مما يجعلنا نشعر بوحدة أقل، من خلال التحفيز الفكري (النص “الكتابي”) المشاركة الفعالة (وهذا ما نقوم به الآن) غالبًا ما تأتي المتعة من النص “الكتابي”، حيث يجب على القارئ بذل جهد فعال، وذلك ليعيد إنشاء النص بنفسه بدلاً من استهلاكه بشكل سلبي. الخدوش والفجوات: يجد بارت المتعة ليس في القصة بأكملها، ولكن في “الخدوش” – تخطي أجزاء، والغوص في النص، والتفاعل معه، بدلاً من مجرد متابعة الحبكة. المتعة الصعبة: تُعرف باسم jouissance النعيم
وهي متعة فكرية أكثر، وغير مريحة أحيانًا، تُزعزع افتراضات القارئ الثقافية والنفسية، في مادية اللغة والإيقاع والأسلوب، تأتي المتعة من “صوت” اللغة، مثل الإيقاع في الموسيقى والإيقاعات اللفظية مثل النوتة الموسيقية، واختيار الكلمات، والذي قد يكون ممتعًا مثل السرد نفسه. الصلة الإيروتيكية بالكلمات: يتحدث بارت عن الإغواء أو الجرح باللغة، حيث يتصل “الجسد الإيروتيكي” للنص مباشرة بالقارئ.
تحدث المتعة عندما تنهار اللغة نفسها، كاشفةً عن طبيعتها “الإيروتيكية” أو الصادمة، متجاوزةً مجرد القصة إلى القوة الجمالية للكلمات، يقول الراوي (قالت ذلك ثم انفجرت ضاحكة. أما أنا فوجدت نفسي وانا أغطس ببصري في طيّات صدرها العاري) ص20 وفي موضع اخر وهو يحكي عن السويسرية صاحبة النزل التي أحبت المنطقة واستقرت بها يقول الراوي (لم ارفع عنها بصري فيما هي تروي لنا حكاية حبها مع القرية.. كانت ضخمة الجسم بمؤخرة عظيمة وصدر نافر) ص40. غالبًا ما تكمن المتعة الحقيقية في هذه الرواية من “انقطاعات” القراءة – التجاوز، والنظر إلى أعلى، ثم العودة إليها – بدلًا من وتيرة ثابتة ورتيبة. تنشأ المتعة كذلك من صوت الكلمات، وإيقاع النثر، ونبرة صوت الراوي. من الشعور بالانتقال إلى عالم آخر، مما يخلق مسافة مؤقتة عن ذاتيتنا وواقع الحياة اليومية الدنيوي. باختصار، متعة او لذة النص في رواية * كما تشب النار * ليست ثابتة، بل هي تجربة متقلبة، نشطة، وأحيانًا مؤلمة، تعيد سحر العالم من خلال اللغة وباختصار شديد رواية “ كما تشب النار“ هندستها مبنية بالكامل على اللغة، ولا وجود لها خارجها، لقد قدم رابليه في وقت مبكر جدا توضيحا بارعا قائلا: ( ليست صورة الانسان في ذاته هي ما يميز النوع الروائي ، بل صورة لغته ) وكما قال هايدجر: ” اللغة هي التي تتحدث لا الكائن“.
موت الراوي: – 3
يصف الراوي في رواية “كما تشب النار” لحظات موته الأخيرة كسلسلة أشبه بالحلم او متقطعة تمثل أفول الحياة ،حيث يتشوّه الزمان والمكان ،وينتقل السرد من الماضي الى المضارع في الفصل الأخير ليظهر التجربة المباشرة للموت ،وتصبح المشاهد قصيرة ومتقطعة وأشبه بالحلم يرى فيها الراوي احباءه الذين رحلوا ويستمر السرد حتى لحظة الموت، لحظة الإرتطام والتحول الى جمرة ملتهبة في حمارة القيظ ويتوقف السرد تاركا القارئ في صدمة .جاء في الرواية (مرت امام عيني احداث حياتي مثل شريط سريع ..رأيت في لمحات اشبه بإلتماع البرق وجهي والدي والأماكن التي طالما أحببتها وحياة التسكع التي عشتها ..وجدت نفسي أضرع للسماء ان احتفظ بالذكرى صافية قبل ان يبلعني الظلام الدامس الذي كان ينتظرنا في الأسفل فاتحا ذراعيه المخيفتين …وكان صوت الإرتطام هو آخر صوت سمعته قبل ان نتحول جميعا الى جمرة ملتهبة في حمارة القيظ.)ص 154
في نظرية السرد، يشير موت الرواي الى إغلاق تام للعالم السردي مُبررا محدودية التجربة الذاتية الانسانية، ومُجبرا على إعادة تقييم حقيقة الرواية برُمَتِها، غالبا ما يشير الى الانتقال من سرد ذاتي حي الى وثيقة تاريخية نهائية (الرواية) وموضوعية، ملمحا في كثير من الاحيان الى ان فعل السرد كان بمثابة شهادة اخيرة كتبت على أعتاب الموت.
يجبر موت الراوي على انهاء عملية السرد فورا لحظة موته، أو قبلها مباشرة، مانعا أي تأويل أو إستباق لاحق.
أسلوب الوصية الأخيرة في الحالات التي تروى فيها الرواية بصيغة الماضي، غالبا ما يوحي الموت بان السرد كان بمثابة سجِّل او يوميات او مذكرات كتبت قبل او اثناء عملية الإحتضار، ممّا يضفي احساسا بالإلحاح والترقب …. لهذاالسبب أشبه موت الراوي في نهاية رواية ” كما تشب النار” بموت المؤلف عندرولان بارت، هذا التشبيه للإشارة الى انه عندما يموت المؤلف والراوي يُسلّمان النص للقارئ ليخلق معناه وعالمه الخاص به متحررا من قيود الراوي وسلطة المؤلف.
وانا أوشك على نهاية رواية “كما تشب النار” وموت الراوي في آخر الرواية تذكرت للتو رواية ” الغريب “ لألبيركامو حيث الراوي ، بصيغة المتكلم يواجه اعدامه مما يجعل نهاية السرد وحياته متطابقة تماما مع نهاية الراوي في رواية “كما تشب النار“، نفس المصير في رواية صامويل بيكيت بموت مالون يصبح السرد متقطعا بشكل متزايد ،ممّا يعكس نهايته ،وكذلك في رواية أجاثاكريستي *جريمة قتل روجر اكرويد * : الراوي هو القاتل وينتهي النص بانتحاره وكذلك الهورلا ل موباسان حيث يستنتج الراوي ،بعد ان اصابه الجنون وطارده كيان ما انه لابد له من الإنتحار للتخلص من الهورلا ،وكذلك في موت اوليفيه بيكاي ل ايميل زولا قصة تروي على لسان رجل يدفن حيا وهو في حالة خمول ويصف فيها عذابه . وفي الأدب المغربي نجد رواية الطاهر بنجلون ” تلك العتمة الباهرة “ يروي العمل مآسي سجن تازمامارت حيث يعيش الراوي الضابط ظروفا غير انسانية تقارب الموت ،وفي سياق الرواية ، يموت العديد من الرواة نفسيا وجسديا وهي تجربة اقتربت من الموت الحقيقي، نفس الشيء في رواية الماضي البسيط le passè simple لإدريس الشرايبي يقطع ادريس بطل الرواية صلاته بعائلته ومجتمعه ، مما يرمز الى موت اجتماعي ونفسي للشخصية الساردة في النهاية ، حيث ينفصل عن عالمه تماما ..ممّا دفع بالعديد من النقاد لطرح السؤال المُجتّر:”هل يعتبر موت الراوي في الرواية هو موت وفقدان للهوية ؟ “، ان موت الشخصيات في الروايات هي في حقيقة الامر تقنية وأداة سردية قوية، وغالبا ما تكون مثيرة للجدل، تطورت من كونها وسيلة لإيصال الدروس الاخلاقية الى وسيلة للتحكم في توقعات القراء، وخلق عنصر المفاجأة، وعكس المخاوف الوجودية المعاصرة. وبينما يرى بعض النقاد ان كثرة قتل الشخصيات هو انعكاس ضروري لعالم حقيقي أو نابض بالحياة يُفاجئنا رولان بارت ب مفهوم “موت المؤلف وولادة النص” مفهومًا تأسيسيًا فيما بعد البنيوية، طرحه المنظّر الفرنسيرولان بارت في مقالته “موت المؤلف” (1967)، التي نُشرت عام 1968. جادل بارت ضد الممارسة التقليدية لتفسير الأدب من خلال منظور سيرة المؤلف أو نواياه أو نفسيته، وهو ما أسماه “المؤلف الإله”. وبدلًا من ذلك، اقترح أن إسناد نصٍّ إلى مؤلف يُقيّده، بينما يُتيح تحرير النص الى تعدد المعانيوالتخريجات. وفيما يلي تفصيل لهذا التحوّل: موت الراوي/المؤلف (الكاتب): يرى بارت أنه بمجرد سرد حقيقة ما لذاتها بدلًا من التأثير على الواقع، “يفقد الصوت أصله، ويدخل المؤلف في موته الذاتي”. الكتابة هي “محو كل صوت، وكل نقطة انطلاق”. فالكاتب المعاصر بدلاً من ان يكون “إله” يسبق الكتاب، اراده ان يكون هو كاتبا يولد مع النص. لا يعبرعن نفسه بل ينتج “نسيجًا من الاقتباسات” مستمدًا من مراجع ثقافية لا حصر لها. حياة المؤلف الشخصية، وعواطفه، ونواياه لا علاقة لها بتفسير العمل، وميلاد النص فضاء متعدد الأبعاد، يتحرر النص من معنى لاهوتي واحد ويتحول إلى فضاء متعدد الأبعاد تمتزج فيه كتابات متنوعة، لا يُعد أي منها أصليًا، وتتضارب فيما بينها. النص ليس إبداعًا أصليًا، بل هو تجميع للغة موجودة، ورموز ثقافية، ونصوص سابقة. من العمل إلى النص، هنا يميز بارت بين “العمل” (كتاب مادي، نتاج تأليف) و”النص” (حقل من المعاني، يختبره القارئ وينتجه). و يخلص بارت في عبارته الشهيرة إلى أن “ميلاد القارئ( ولادة النص) لا بد أن يكون على حساب موت المؤلف“. خالق المعنى: القارئ هو الفضاء الذي تتلاقى فيه جميع معاني النص. وحدة النص ليست في أصله (المؤلف)، بل في وجهته (القارئ). فنظرية استجابة القارئ مهدت الطريق لنقد استجابة القارئ، حيث يُمنح القارئ القدرة على بناء المعنى، مُحوِّلًا النص إلى حوار حي.
في رواية “ كما تشب النار ” يشير مصطلح “موت الراوي” بشكل أساسي إلى انتهاء واحتضار الشخصية التي تروي القصة، مما يخلق صدمة لدى القارئ، لقد أغلقت أبواب السرد وانتهى كل شيء و حان الوقت لطرح الأسئلة ، وغالبًا ما تُحلل هذه الظاهرة على أنها تطور في علم السرد، لا سيما من قِبلسيلفي باترون، يُمثل هذا المفهوم النظري تحولًا من السرد المتمحورحول صوت بشري إلى الكتابة التي تركز على الفعل أو وجهات النظر غير البشرية. تتناول أعمال سيلفي باترون، وخاصة في كتابها “موت الراوي ومقالات أخرى”، التداعيات اللغوية والجمالية لغياب الراوي، متجاوزةً بذلك نظرية أن كل سرد يتطلب راوٍ. في الأدب، قد يكون الراوي متوفى (على سبيل المثال، في السرديات الإسترجاعية أو سرديات ما بعد الموت)، مما يُتيح منظورًا فريدًا وموضوعيًا. “موت المؤلف” (بارت): لا ينبغي الخلط بينه وبين موت الراوي، فهذا المفهوم الذي طرحه رولان بارت يُسلّط الضوء على اختفاء المؤلف، تاركًا تفسير النص للقارئ. قد تتضمن كتابة موت الراوي بصيغة المتكلم الانتقال إلى وجهة نظر أخرى، أو نهاية مفاجئة، أو الانتقال إلى سرد شهادة. باختصار، يُعد “موت المؤلف” أو “موت الراوي” قطيعة مع التقاليد الكلاسيكية في سرد القصص، التي تُعلي من شأن الأشكال السردية الأكثر تجريدًا أو تلك التي تُركز على التجربة المباشرة، أستطيع ان أجزم بالقول إن تقنية موت الراوي في رواية “كما تشب النار ” بأن موت كل الشخصيات في نهاية الرواية هو اسلوب متقدم يستخدم لخلق تأثير درامي، فلسفي ،او هيكلي قوي عندما يموت الراوي خاصة إذا كان راويا بضمير المتكلم في اللحظات الأخيرة، فإن ذلك يغير علاقة القارئ بالنص تماما وتتحول الرواية الى سرديات مفتوحة او هويات مختلفة ، في انتظار ولادة نصوص أخرى.
بقلم: عسيسو عبداللطيف
.(ع.ع)
المراجع:
رواية ( كما تشب النار ) للكاتب المغربي عبدالخالق جييد عن دار الفاصلة للنشر . ترجمة: عبد الهادي الإدريسي..
* Embrasement ,Edition l Harmattan, Roman Abdelkhaleq Jayed.
* Le plaisir du texte, Roland Barthes . collection tel Quel , aux Editions du seuil.
* Artikel ( Hypertext ( Semiotics) May 2026 .
* La mort du narrateur ( ou pas) ,Florian Pennanech. 2009 .
* Le narrateur. Introduction a la theorie narrative,Paris : Armand Colin, coll, 2009 . Sylvie Patron .
* Structuralisme , Maurice Corvez, uitgeverij het spectrum N.V Utrecht /Antwerpen.